في لحظة قد تبدو عفوية، يتم التقاط صورة داخل مقر العمل أو يُصوّر مقطع فيديو احتفالا بإنجاز مهني أو مناسبة خاصة، قبل أن تتم مشاركة المحتوى على إحدى منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما يبدو على الواجهة ليس دائما ما يلفت الانتباه، إذ قد تكشف خلفية الصورة أو مقطع الفيديو وثائق إدارية أو لوائح أو شاشات حاسوب تتضمن أسماء وتوقيعات وأرقاما ووثائق شخصية، لتتحول معطيات كان يفترض أن تبقى محمية إلى محتوى متداول على نطاق واسع.
وأعاد تداول مقاطع فيديو على خاصية “القصص/STORY”، تظهر وثائق إدارية تتضمن أسماء وتوقيعات، فتح النقاش مجددا حول حدود المسؤولية عند تصوير الوثائق الإدارية ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومدى احترام قواعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في الفضاء الرقمي.
فيما تناسلت دعوات لترسيخ الخصوصية لدى الأجراء والموظفين، واقترح فاعلون في قطاعات مهنية أن تخصص قطاعات معينة وثائق فردية لكل مستخدم أو أجير، حفظا لخصوصيتهم عوض وثائق مشتركة يعبؤون فيها معطياتهم الشخصية يطلع عليها زملاء آخرون.
في المقابل، تواصل بعض الإدارات والمؤسسات نشر لوائح أو مقررات إدارية تتضمن أسماء ومعطيات مرتبطة بالأشخاص، من قبيل نتائج مباريات التوظيف أو قرارات التعيين أو لوائح الحركة الانتقالية، ما يثير تساؤلات بشأن الحدود الفاصلة بين حق العموم في الاطلاع على المعلومات، وحق الأفراد في حماية معطياتهم ذات الطابع الشخصي.
ولا يعني ذلك، أن كل وثيقة إدارية تتضمن أسماء أشخاص يمنع نشرها أو الاطلاع عليها. فالقانون 31.13، المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات كرس مبدأ الشفافية وإتاحة المعلومات التي تصدرها الإدارات والمؤسسات العمومية، باعتبارها أحد ركائز الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إلا أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يقر القانون نفسه مجموعة من الاستثناءات، من بينها حماية الحياة الخاصة للأفراد أو التي تكتسي طابع معطيات شخصية، والمعطيات التي من شأن الكشف عنها المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور، وحماية مصادر المعلومات.
إعادة التداول
لا يتعلق الأمر دائما بنشر وثيقة كاملة أو تسريب مقصود لمعطيات شخصية، بل قد يكون مجرد ملف إداري موضوع فوق مكتب أو بطاقة مهنية أو دبلوم أو لائحة أسماء وتوقيعات أو حتى شاشة حاسوب تظهر لبضع ثوان داخل مقطع فيديو.
هذه التفاصيل، التي قد تمر دون انتباه صاحب الصورة أو الفيديو، تصبح بمجرد نشرها متاحة لعدد غير محدود من الأشخاص، ويمكن نسخها أو حفظها أو إعادة نشرها خارج الإطار الذي تصوره صاحب المحتوى.
ولا تقتصر الإشكالية على المعطيات الخاصة بالشخص الذي نشر المحتوى، بل قد تمتد إلى معطيات تخص زملاء في العمل أو مرتفقين أو مواطنين آخرين لم يمنحوا موافقتهم على نشر معلوماتهم أو إتاحتها للعموم.
هذه الممارسات لا تقتصر على الإدارات والمؤسسات. ففي كثير من المناسبات العائلية والاحتفالات، يشارك أشخاص صورا لعقود الزواج أو الشهادات الجامعية أو الدبلومات أو وثائق رسمية أخرى تعبيرا عن الفرح والفخر.
لكن الصورة قد تحمل أسماء كاملة أو أرقاما أو توقيعات أو عناوين أو معلومات عائلية، تتحول هي الأخرى إلى معطيات متاحة لكل من يشاهد المنشور.
وفي كثير من الحالات، لا يكون الكشف عن هذه المعطيات متعمدا، وإنما ينتج عن عدم الانتباه إلى ما يظهر في خلفية الصورة، أو الاعتقاد بأن النشر داخل صفحة شخصية يقتصر على دائرة الأصدقاء، بينما تتيح طبيعة المنصات الرقمية إمكانية إعادة التداول والتقاسم والمشاركة.

ينظم القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي كيفية التعامل مع هذه المعطيات، إذ يعرف المعطيات ذات الطابع الشخصي بأنها كل معلومة، كيفما كان نوعها أو دعامتها، بما في ذلك الصوت والصورة، تتعلق بشخص ذاتي محدد الهوية أو قابل للتعرف عليه.
وبذلك، فإن الأسماء والصور والتوقيعات والعناوين وأرقام بطائق التعريف الوطنية، وغيرها من المعلومات التي تسمح بتحديد هوية شخص معين، تندرج ضمن المعطيات ذات الطابع الشخصي متى كانت مرتبطة بشخص محدد أو يمكن التعرف عليه.
كما يعتبر القانون أن المعالجة تشمل مختلف العمليات التي تجرى على هذه المعطيات، سواء بوسائل آلية أو غير آلية، من قبيل جمعها أو تسجيلها أو حفظها أو استعمالها أو إرسالها أو إذاعتها أو إتاحتها بأي وسيلة أخرى.
إشكالات قانونية
وفي تفاعل مع هذا الموضوع، اعتبر أحد المواطنين أن تصوير ونشر وثائق إدارية تتضمن أسماء الموظفين أو توقيعاتهم أو أي معطيات شخصية دون سند قانوني يثير إشكالات قانونية وأخلاقية، وقد يشكل خرقا لمقتضيات القانون رقم 09.08، مبرزا أن الإدارات مطالبة كذلك باتخاذ التدابير اللازمة لحماية هذه المعطيات من الولوج أو النشر غير المصرح به.
وكتب آخر أن الصور التذكارية ينبغي أن تبقى للاحتفاظ الشخصي، متسائلا: “إذا كان نشر الصور الخاصة يثير إشكالا، فما بالك بنشر معطيات شخصية تتعلق بالآخرين؟”.
فيما شدد مواطن آخر، على أن نشر وثائق أو مستندات تتضمن معلومات عن موظفين أو مواطنين يعد ممارسة مخالفة للقانون إذا تمت خارج الأطر القانونية.
ودعا آخرون إلى التطبيق الصارم لمقتضيات القانون رقم 09.08 في مواجهة كل من ينشر أو يساهم في نشر معطيات ذات طابع شخصي دون موافقة أصحابها، مع التنبيه إلى أن بعض الإعلانات أو الوثائق الإدارية يتم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل عشوائي، رغم أن نشرها يظل من اختصاص الإدارة المعنية وحدها.
تحقيق التوازن
ومع اتساع استخدام الهواتف الذكية وسهولة إنتاج المحتوى الرقمي، لم تعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي مسؤولية المؤسسات وحدها، بل أصبحت مسؤولية مشتركة يتحملها كل مستخدم قبل أن يلتقط صورة أو ينشر مقطع فيديو.
كما أن بناء إدارة رقمية شفافة لا يتعارض مع حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بل يقوم على تحقيق التوازن بين مقتضيات القانون رقم 31.13، الذي يضمن الحق في الحصول على المعلومات، والقانون رقم 09.08، الذي يحمي خصوصية الأفراد، بما يضمن إتاحة المعلومة ذات المصلحة العامة دون المساس بحقوق الأشخاص أو كشف معطياتهم دون ما يجيزه القانون.