إذا كان تحديد المعلومة العمومية وحدود الحصول عليها يشكل المحطة الأولى في ممارسة هذا الحق، فإن المسار العملي لا يكتمل دون الوقوف عند الجهة التي تتولى تدبيره داخل المؤسسات: المكلف بالمعلومات. فماهي طبيعة هذه المهام وحدود المسؤوليات المرتبطة بها؟
فممارسة هذا الحق لا تتوقف عند تحديد المعلومة التي يرغب المواطن في الوصول إليها، بل تمر عبر مجموعة من الإجراءات والأدوار التي تتولاها المؤسسة، في مقدمتها المكلف بالمعلومات، الذي يشكل حلقة وصل أساسية بين طالب المعلومة والإدارة، ويتولى مهاما تتجاوز مجرد تسلم الطلبات والرد عليها.
فمن البحث عن المعلومة داخل المؤسسة والتنسيق مع المصالح المعنية، إلى تتبع الطلبات واحترام الآجال القانونية والتعامل مع الحالات التي تستوجب حجب جزء من المعلومات، يجد المكلف بالمعلومات نفسه في قلب المسار العملي لممارسة الحق في الحصول على المعلومات.
مهام متعددة
بحسب عبد الله لحلو مامي، إطار بلجنة الحق في الحصول على المعلومات، فإن المادة 12 من القانون رقم 31.13 تنص على تعيين شخص أو أشخاص مكلفين بتلقي طلبات الحصول على المعلومات ودراستها وتقديم المعلومات المطلوبة، فضلا عن تقديم المساعدة اللازمة لطالب المعلومات عند الاقتضاء.
وبذلك، تبدأ مهمة المكلف بالمعلومات من اللحظة التي يتوصل فيها بالطلب، إذ يتعين عليه دراسته وتحديد طبيعة المعلومة المطلوبة والمصالح التي توجد لديها، قبل الانتقال إلى مرحلة التنسيق من أجل توفيرها.
ولا يتوقف دوره عند البحث عن الوثيقة أو المعلومة، بل يشمل أيضا التحقق من إمكانية تقديمها، مع مراعاة الاستثناءات التي حددها القانون، قبل تمكين طالبها منها وفق إحدى الطرق المنصوص عليها قانونا.
ويلخص مامي لحلو، هذه الوظيفة في مجموعة من المهام المتكاملة، تتمثل في التلقي والدراسة والتنسيق والتحقق والتقديم وتتبع الآجال، ولا يعمل المكلف بالمعلومات بمعزل عن باقي مصالح المؤسسة، إذ تفرض طبيعة مهمته التنسيق معها للوصول إلى المعلومة المطلوبة وإعداد الجواب المناسب.
لا يتعلق الأمر بمجرد وظيفة إدارية لاستقبال الطلبات، بل بدور تنسيقي يتطلب تتبع مسار المعلومة داخل المؤسسة
وفي هذا الصدد، تبرز أهمية المادة 12 من القانون رقم 31.13، التي تنص على أن المؤسسة تضع رهن إشارة المكلف بالمعلومات قاعدة للمعلومات الموجودة في حوزتها، بما يمكنه من القيام بمهامه.
كما تلزم المادة 11 المؤسسات والهيئات بتدبير المعلومات الموجودة في حوزتها وتحيينها وترتيبها وحفظها بطريقة تسهل تقديمها لطالبها. وعمليا، يدرس المكلف الطلب، ويحدد المصلحة أو المصالح التي تتوفر على المعلومة، ثم ينسق معها للبحث عنها والتحقق منها وتجميع العناصر الضرورية لإعداد الجواب.
وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد وظيفة إدارية لاستقبال الطلبات، بل بدور تنسيقي يتطلب تتبع مسار المعلومة داخل المؤسسة، بما يضمن معالجة الطلب في ظروف سليمة وداخل الآجال القانونية. لكن الوصول إلى المعلومة لا يعني بالضرورة إتاحة كل ما يوجد في حوزة المؤسسة، إذ يظل هذا الحق محكوما بمجموعة من الاستثناءات التي حددها القانون.
وفي هذا السياق، يقوم المكلف بالمعلومات بدراسة المعلومة المطلوبة والتحقق من مدى خضوعها للاستثناءات المنصوص عليها في المادة 7، والتي تشمل، من بين أمور أخرى، المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني وأمن الدولة، والحياة الخاصة للأفراد والمعطيات ذات الطابع الشخصي، فضلا عن المعلومات التي قد تمس بالحريات والحقوق الأساسية أو بحماية مصادر المعلومات، إلى جانب حالات أخرى مرتبطة بالعلاقات الدولية والسياسة النقدية والاقتصادية والمالية وحقوق الملكية الفكرية وبعض المعلومات المشمولة بالسرية بموجب نصوص خاصة.
غير أن وجود جزء محمي ضمن المعلومة لا يعني بالضرورة حجب الوثيقة بأكملها. فالمادة 8 تنص على حذف الجزء المشمول بالاستثناء وتسليم باقي المعلومات إلى طالبها، ويشير عبد الله مامي، إلى أن مهمة المكلف هنا تتمثل في تطبيق مبدأ الإتاحة مع احترام الاستثناءات القانونية، وليس اعتبار وجود استثناء سببا تلقائيا لحجب الوثيقة كاملة.
وتتضمن المنظومة القانونية أيضا حالة خاصة تتعلق بالمعلومات التي يقدمها الغير للمؤسسة على أساس الحفاظ على سريتها. وفي هذه الحالة، تنص المادة 9 على ضرورة الحصول على موافقة الغير قبل تسليمها، مع أخذ مبرراته بعين الاعتبار عند اتخاذ القرار بشأن الكشف عنها.
رقمنة المساطر
وفي ظل رقمنة مساطر الحصول على المعلومات، أصبحت البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات PNDAI وسيلة إضافية أمام المواطنين لإيداع طلباتهم وتتبعها إلكترونيا.
وبحسب المتحدث، لا تلغي البوابة الطرق الأخرى التي ينص عليها القانون، إذ تتيح المادة 14 تقديم الطلب عن طريق الإيداع المباشر مقابل وصل، أو عن طريق البريد العادي أو الإلكتروني مقابل إشعار بالتوصل.
كما تحدد المادة 15 طرق الحصول على المعلومات، من بينها البريد الإلكتروني عندما تكون الوثيقة أو المستند متاحا على حامل إلكتروني، وتساعد البوابة الوطنية المكلف بالمعلومات على تنظيم عملية استقبال الطلبات وتتبعها ومعالجتها والرد عليها، فضلا عن تتبع الآجال ومراحل معالجة كل طلب.
ولا يقتصر دور البوابة على الطلبات الفردية، إذ ترتبط أيضا بالنشر الاستباقي للمعلومات. فالمادة 10 تلزم المؤسسات والهيئات، في حدود الإمكان، بنشر الحد الأقصى من المعلومات الموجودة في حوزتها والتي لا تدخل ضمن الاستثناءات، باستخدام وسائل النشر المتاحة، وخاصة الوسائل الإلكترونية.
وفي مسار معالجة الطلبات، تشكل الآجال القانونية أحد أبرز الالتزامات التي يتعين على المكلف بالمعلومات والمؤسسة احترامها؛ فوفقا للمادة 16، يجب الرد على طلب الحصول على المعلومات داخل أجل لا يتجاوز 20 يوم عمل ابتداء من تاريخ تسلمه. ويمكن تمديد هذا الأجل لمدة مماثلة في الحالات التي حددها القانون، من بينها عدم إمكانية الاستجابة للطلب كليا أو جزئيا داخل الأجل، أو ارتباطه بعدد كبير من المعلومات، أو تعذر توفيرها في الأجل المحدد، أو الحاجة إلى استشارة الغير.
وفي حالة التمديد، يتعين إشعار طالب المعلومات مسبقا، كتابة أو عبر البريد الإلكتروني، مع تحديد مبرراته، أما في الحالات المستعجلة المرتبطة بحماية حياة الأشخاص أو سلامتهم أو حريتهم، فتحدد المادة 17 أجل الرد في ثلاثة أيام، مع مراعاة حالات التمديد المنصوص عليها في المادة 16.
تشكل الآجال القانونية أحد أبرز الالتزامات التي يتعين على المكلف بالمعلومات والمؤسسة احترامها
ولا ينتهي دور المكلف بالمعلومات بانتهاء الأجل، إذ يتعين عليه أيضا تتبع مآل الطلب والتأكد من تقديم الجواب وفق الضوابط القانونية، وفي حال تعذر الاستجابة للطلب، لا يترك القانون للمؤسسة هامشا مفتوحا لرفضه دون توضيح، إذ تلزم المادة 18 بتعليل الرد الرافض، سواء تعلق الأمر برفض كلي أو جزئي.
ومن بين الحالات التي يمكن أن يقوم عليها الرفض، بحسب الإطار، عدم توفر المعلومات المطلوبة، أو خضوعها للاستثناءات القانونية، أو كونها منشورة ومتاحة للعموم، أو عدم وضوح الطلب، وغيرها من الحالات المحددة قانونا.
ويعني ذلك أن عدم توفر المعلومة لدى المؤسسة لا ينتهي بمجرد جواب مقتضب، بل يتعين أن يكون الرد معللا وفق المقتضيات القانونية، مع الإشارة إلى حق طالب المعلومات في تقديم شكاية بشأن الرفض.
وهنا تتضح المسؤولية العملية للمكلف بالمعلومات، الذي لا يقتصر دوره على نقل قرار المؤسسة إلى المواطن، وإنما يتولى تدبير مسار الطلب منذ استقباله، والبحث عن المعلومة، والتحقق من قابليتها للإفصاح، وصولا إلى تقديمها أو تعليل عدم إمكانية الكشف عنها.
ولا تخلو هذه المهمة من مسؤولية، إذ تنص المادة 27 على إمكانية تعرض الشخص المكلف بالمعلومات للمتابعة التأديبية في حالة امتناعه عن تقديم المعلومات المطلوبة طبقا للقانون، ما لم يثبت حسن نيته.