بحث

اختر السمة:

عمر السغروشني يكتٌب:”هل تُعد حماية الحياة الخاصة مفهوما هامشيا؟”

في عصر أصبحت فيه المعطيات في صلب رهانات السيادة، هل يمكن أن تظل حماية الحياة الخاصة قضية هامشية؟ هذا السؤال يطرحه عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، في مقال رأي نشره على موقع “24 MEDIAS”، سلط فيه الضوء على أهمية احترام الحياة الخاصة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في بناء الدولة الرقمية، داعيا إلى اعتماد رؤية وطنية مستدامة تنسجم مع الدستور ومقتضيات القانون رقم 09.08، وتخدم مصالح المغرب وتعزز استقراره.

وفيما يلي نص مقال الرأي:

أصبح احترام الحياة الخاصة وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من رهانات السيادة. ولكي ينجح المغرب في بناء دولته الرقمية، يتعين عليه الاستناد إلى رؤية وطنية مستدامة ومنسجمة مع الدستور والقانون رقم 09.08.

ينص الفصل 24 من دستور المملكة على أن “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”. ويحدد القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، إلى جانب المرسوم المرتبط به، شروط احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي.

إذا كنتم تعتبرون أن بعض فصول دستور المملكة اختيارية، فلا جدوى من مواصلة قراءة هذا المقال، الذي يمكن اعتباره تنبيها لم يجد سبيلا آخر للتعبير عن نفسه.

ووفقا للقانون رقم 09.08، تُعد معطيات ذات طابع شخصي، كل معلومة أيا كانت طبيعتها وبغض النظر عن دعامتها، بما في ذلك الصوت والصورة، تتعلق بشخص ذاتي محدد الهوية أو قابل للتعرف عليه. وحتى المعلومات الجينومية، والحمض النووي ADN، وغيرها، تُعد معطيات ذات طابع شخصي.

ويعزز العصر الرقمي معالجة المعطيات بأحجام كبيرة، بهدف إنتاج قرارات، قد تكون آلية أحيانا، ويمكن أن تقع خارج نطاق السيادة الوطنية.

وفي مجال آخر، وعلى مستوى التعمير، قطع المغرب أشواطا كبيرة في مكافحة البناء غير اللائق. حيث تميز بنهج في إعداد التراب والتعمير والإسكان وسياسة المدينة يأخذ بعين الاعتبار المدى البعيد. كما برهن على إرادة حقيقية لتحقيق تنمية مستدامة وقابلة للاستمرار. ومكّنه هذا التدبير الجيد لما هو مادي من تحقيق تقدم كبير.

واليوم، يتعين عليه أن يستلهم النهج نفسه في تدبير اللامادي وبناء دولة رقمية من شأنها خدمة مصالحه وتعزيز استقراره، مع تفادي الوقوع تحت تأثير بعض “اللوبيات” أو جماعات الضغط.


“يٌعزز العصر الرقمي معالجة المعطيات بأحجام كبيرة، بهدف إنتاج قرارات، قد تكون آلية أحيانا، ويمكن أن تقع خارج نطاق السيادة الوطنية.”

عمر السغروشني

ينبغي إعداد الدولة الرقمية إعدادا محكما، وأن تستند إلى مبادئ تنمية مستدامة لتفادي أنظمة عشوائية ومدن صفيحية رقمية بٌنيت من طرف عمال بناء ودون مهندسين معماريين.

ولا يتعلق الأمر بأن يبني كل قطاع كما يشاء وبشكل منعزل، سواء في التعليم أو الصحة أو الاقتصاد أو غيرها من المجالات، بل يتعلق بالعمل في إطار رؤية وطنية.

ولضمان صمود دولة رقمية حقيقية وشرعيتها، باعتبارها دولة المستقبل، من المهم منح القوة اللازمة لبعض الأوراش الجارية من أجل هيكلتها، وتشجيع إدماج مرن للابتكار القادم من التراب الوطني ومن مغاربة العالم.

ويعد احترام الحياة الخاصة والقانون رقم 09.08 من الجوانب التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار.

يعد القانون رقم 09.08 بمثابة قانون للسير من أجل “قيادة” عمليات معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. فلا بد، بطبيعة الحال، من التوفر على رخصة للسياقة، لكن الأهم هو احترام قانون السير، وإجراء المراجعات والفحوص التقنية اللازمة. وبعبارة أخرى، يتعين الالتزام قانونيا باحترام المعطيات ذات الطابع الشخصي، حتى لا نتسبب في حوادث أثناء تداول المعطيات، أو نُلحق بمواطنينا أضرارا ذات تبعات مادية أو بشرية.

وفي حال وقوع حادث، ينبغي التوجه إلى الجهات المكلفة بالمعاينة والإصلاح والتأمين والخبرة. وعلى غرار أنظمة المعلومات، يجب الاستعانة بالخبراء، ولا سيما خبراء الأمن.

قضية مجتمعية

وفي المجال الرقمي، تُعد حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والأمن المعلوماتي مجالين متداخلين، لكنهما مختلفان.

وهناك شرط أساسي آخر لتجنب حوادث السير، يتمثل في التوفر على بنية تحتية طرقية ذات جودة وتشوير ملائم ومطبات لتخفيف السرعة، وغيرها.
وبالطريقة نفسها، يتطلب احترام قانون المجال الرقمي الحرص على إرساء بنية تحتية رقمية منسجمة، لا عشوائية ولا مدفوعة بالرؤية المنفردة لبعض جماعات الضغط الظرفية.

وقد عرف المغرب مشاريع كبرى على مستوى البنيات التحتية، من موانئ وطرق وطرق سيارة، وبنيات تحتية للسكك الحديدية والقطارات فائقة السرعة، وبنيات تحتية للطاقتين الريحية والشمسية، إلى جانب مجالات أخرى عديدة.

وينبغي أن يكون قادرا على مواصلة ما أنجزه في المجال المادي داخل المجال اللامادي. ويتطلب ذلك التحلي بالإرادة السياسية نفسها، وربما مواصلة ما بدأ في بعض المجالات.

فاللامادي لا يُدبَّر بالطريقة نفسها التي يُدبَّر بها المادي. بل أكثر من ذلك، يعيد اللامادي ضبط المادي. وهي فرصة أخرى للعمل المشترك بين جميع المغاربة، ولا سيما الموجودين داخل التراب الوطني، والمقيمين في الخارج، وكذلك الذين اختاروا نمط حياة متنقلا، فأصبحوا بين الاثنين، هناك وهنا.

ومن تمَّت، فإن الاعتقاد بأن المسألة الرقمية مسألة تقنية فحسب لا يقدم سوى تحليل جزئي، لأنها في جوهرها قضية مجتمعية. إذ ينبغي أن نبني “دولة المعطيات” الخاصة بنا، وفق مقاربة “داتا ثقة” (Data-Tika)، في خدمة الاقتصاد والمجتمع، بما يعزز استقرارها ويحول دون استخدام المجال الرقمي أداة لزعزعة الاستقرار.

المقال السابق
السغروشني:”إعادة نشر المعطيات المُسرَّبة يُوسّع دائرة الضرر”
المقال التالي
غرامة قياسية على الاتحاد المكسيكي لكرة القدم بسبب انتهاكات للمعطيات الشخصية للمشجعين

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :