أكد عمر السغروشني، رئيس لجنة الحق في الحصول على المعلومات (CDAI)، أن ترسيخ الحق في الحصول على المعلومات بالمغرب يظل ورشا مجتمعيا ومؤسساتيا متواصلا يتطلب الوقت والإرادة والعمل المشترك بين مختلف الفاعلين، معتبرا أن بناء ثقافة قائمة على الشفافية وإتاحة المعلومة لا يمكن أن يتحقق بين عشية وضحاها، بل عبر مسار تراكمي يرسخ هذا الحق في الممارسة اليومية للمؤسسات والمواطنين على حد سواء.
وأوضح السغروشني، خلال استضافته في برنامج “Avec ou sans parure” على إذاعة “لوكس راديو”، أن لجنة الحق في الحصول على المعلومات انطلقت فعليا في أداء مهامها سنة 2019، بعد إحداثها بموجب القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الصادر سنة 2018 تنفيذا لأحكام الفصل 27 من الدستور، الذي كرس حق المواطنات والمواطنين في الولوج إلى المعلومات الموجودة بحوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
وأشار إلى أن اللجنة شرعت منذ ذلك التاريخ في معالجة الشكايات وإعداد التقارير ومواكبة المؤسسات المعنية، في إطار اختصاصاتها المرتبطة بالسهر على التطبيق السليم للقانون وتقديم الاستشارة والتوصيات الكفيلة بتطوير منظومة الحق في الحصول على المعلومات.
وتوقف رئيس اللجنة عند تركيبة هذه الهيئة، موضحا أنها تضم ممثلين عن عدد من المؤسسات الدستورية والإدارية، بما يعكس الطابع التشاركي الذي يميز عملها. ويرأس اللجنة رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، فيما تضم في عضويتها ممثلين عن الحكومة والبرلمان والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها ومؤسسة أرشيف المغرب والمجلس الوطني لحقوق الإنسان ومؤسسة الوسيط، إضافة إلى ممثل عن إحدى الجمعيات العاملة في مجال الحق في الحصول على المعلومات.
وأكد أن اتخاذ القرارات داخل اللجنة يتم بشكل جماعي ومشترك، في إطار من التداول المؤسساتي، بعيدا عن أي منطق فردي في تدبير الملفات والقضايا المعروضة عليها.

“الحق في الحصول على المعلومات لا يعني إتاحة جميع المعطيات دون ضوابط.”
— عمر السغروشني
خيارين
واستحضر السغروشني بدايات تطبيق القانون، مشيرا إلى أن من بين أولى التحديات التي واجهت اللجنة وجود انطباع لدى البعض بأن النص القانوني غير كاف أو أنه لا يسمح بتحقيق نتائج ملموسة.
وقال إن اللجنة وجدت نفسها أمام خيارين، إما التوقف عند حدود الانتقادات وانتظار تعديل القانون، أو العمل بالمقتضيات المتاحة وتفعيلها من أجل تحقيق تقدم تدريجي يمكن البناء عليه مستقبلا. وأضاف أن اللجنة اختارت الطريق الثاني، انطلاقا من قناعة مفادها أن تطوير المنظومة يبدأ بالممارسة وتراكم التجارب.
كما لفت إلى أن مفهوم “المعلومة” نفسه كان يحتاج إلى مزيد من التوضيح، بالنظر إلى تعدد التصورات المرتبطة به لدى المواطنين، حيث يختلط أحيانا بالمحتوى الإعلامي أو بالأخبار المتداولة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
الأخبار الزائفة
وفي معرض حديثه عن التحديات الجديدة المرتبطة بالمجال الرقمي، أوضح السغروشني أن الأخبار الزائفة تندرج ضمن الاهتمامات التي تتابعها اللجنة، ليس باعتبارها موضوعا مستقلا فقط، بل أيضا من خلال العلاقة التي يمكن أن تنشأ بين الحصول على المعلومات وسوء استعمالها.
وأشار إلى أن بعض الأشخاص قد يوظفون معلومة أو وثيقة إدارية بشكل غير صحيح أو خارج سياقها الحقيقي، بما يؤدي إلى إنتاج مضامين مضللة أو تغذية الأخبار الزائفة، مؤكدا أن حسن فهم المعلومات وتفسيرها يظل عنصرا أساسيا في ضمان الاستفادة السليمة من الحق في الوصول إليها.
المجتمع المدني
وشدد رئيس لجنة الحق في الحصول على المعلومات، على أن من بين المهام الأساسية للهيئة التحسيس والتوعية والتكوين، موضحا أن اللجنة تعمل، رغم محدودية الإمكانيات، على نشر ثقافة الحق في الحصول على المعلومات لدى المواطنين والإدارات والمؤسسات.
وفي هذا الإطار، كشف عن إحداث خلية مخصصة للتواصل مع المجتمع المدني، مع التركيز على المدن الصغيرة والمجالات التي تحتاج إلى مزيد من المواكبة والتأطير، سعيا إلى توسيع دائرة الوعي بهذا الحق الدستوري وتعزيز استعماله من قبل المواطنين.
وأضاف أن اللجنة تتلقى بشكل منتظم شكايات واستفسارات من المواطنين، وتعمل على معالجتها وفق المساطر القانونية المعمول بها، بما يضمن التفاعل مع مختلف الحالات المطروحة.
ضوابط
وأوضح السغروشني أن الحق في الحصول على المعلومات لا يعني إتاحة جميع المعطيات دون ضوابط، إذ ينص القانون على عدد من الاستثناءات المرتبطة بحماية المصالح العليا للدولة والأمن الوطني وبعض المجالات التي تستوجب السرية القانونية.
وأشار إلى أن اللجنة وجهت سنة 2023 مراسلة إلى رئاسة الحكومة تضمنت مجموعة من المقترحات الرامية إلى تعزيز النشر الاستباقي للمعلومات، داعيا المؤسسات إلى تحديد المعطيات التي يتعين نشرها بشكل تلقائي وتلك التي تخضع لقيود قانونية، بما يساهم في تعزيز الشفافية وتسهيل الولوج إلى المعلومات.

وأكد أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر دون مساءلة ومحاسبة، كما أن هاتين القيمتين لا يمكن أن تتحققا بشكل فعلي دون ضمان حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات.
البوابة الوطنية
ومن بين المشاريع التي تراهن عليها اللجنة، أبرز السغروشني أهمية البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات pndai.ma، التي حلت محل بوابة “شفافية”، وتشرف اللجنة على تدبيرها.
وأوضح أن هذه المنصة الرقمية تتيح للمواطنات والمواطنين، وكذا للأجانب المقيمين بالمغرب بصفة قانونية، الاطلاع على المعلومات المتوفرة لدى المؤسسات المنخرطة في البوابة، فضلا عن تقديم وتتبع طلبات الحصول على المعلومات وفق المساطر المحددة قانونا.واعتبر أن هذه البوابة تشكل آلية عملية لتقريب الإدارة من المرتفقين وتعزيز الشفافية وتيسير ممارسة هذا الحق الدستوري.
ورش مستمر
وأكد السغروشني أن لجنة الحق في الحصول على المعلومات، تدرك أن الطريق لا يزال طويلا، وأن عددا من التحديات ما زالت مطروحة، سواء على مستوى الموارد أو الممارسات أو الثقافة الإدارية المرتبطة بإتاحة المعلومات.
وأشار إلى أن عدد العاملين داخل اللجنة عرف تطورا تدريجيا مقارنة بمرحلة الانطلاق، وأن المؤسسة تسعى إلى الاستجابة للحاجيات المتزايدة وفق الإمكانيات المتاحة.
وختم بالتأكيد على أن بناء ثقافة الحق في الحصول على المعلومات يشبه ما عرفته العديد من الدول الديمقراطية من مسارات طويلة استغرقت سنوات من العمل والتطوير والتراكم، معتبرا أن الأهم اليوم هو مواصلة الجهود وترسيخ هذا الحق في الممارسة اليومية للمؤسسات والمواطنين، في استقلالية عن التقلبات والاختيارات الظرفية، خدمة لمبادئ الشفافية والحكامة الجيدة وتعزيز الثقة في المؤسسات.