بحث

اختر السمة:

عمر السغروشني لمجلة “LEXMAG”: “الرقمنة مشروع مجتمعي وتحالف بين التقنيين والعلوم الإنسانية “

أكد السيد عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، أن الثقة الرقمية باتت تشكل اليوم بنية تحتية استراتيجية للدول، وأن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، أصبحت شرطا أساسيا لنجاح التحول الرقمي وتعزيز مكانة المغرب في مجتمع البيانات.

وأوضح السغروشني، في حوار مع مجلة “LEXMAG” في عددها الأول، أن موضوع حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي برز في الدول الحديثة منذ ما يقارب نصف قرن، إما نتيجة قضايا أثارت الرأي العام، كما حدث في فرنسا عقب قضية “سفاري SAFARI” التي أفضت إلى إحداث الهيئة الوطنية للمعلوميات والحريات (CNIL) سنة 1978، أو بمبادرة من الدولة استجابة لاعتبارات خاصة، كما هو الحال بالنسبة للمغرب الذي أحدث اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي سنة 2009.

ويرى المتحدث أن الهيئات التي تنشأ في أعقاب قضايا رأي عام تستفيد منذ البداية من وجود وعي مجتمعي حول أهمية حماية المعطيات، في حين تضطر الهيئات التي تُحدث دون خلفية مماثلة إلى بذل جهود إضافية لبناء هذا الوعي وترسيخه لدى مختلف الفاعلين.

وأوضح رئيسCNDP، أنه منذ تعيين أعضاء اللجنة الوطنية سنة 2010 من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، شرعت المؤسسة في العمل مع الإدارات العمومية وكبرى المقاولات الخاصة من أجل نشر ثقافة احترام مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، مشيرا إلى أن هذا العمل انطلق في البداية وفق مقاربة من الأعلى إلى الأسفل، قبل أن يتطور ليشمل أيضا مقاربة معاكسة تهدف إلى إقناع المواطن بأن حماية معطياته مسؤولية شخصية ومجتمعية في آن واحد، وليست قضية تخص المؤسسات وحدها.

خلال الحوار ذاته، أعرب رئيس اللجنة الوطنية عن رفضه التصور الذي يعتبر حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي عائقا أمام الابتكار أو النمو الرقمي، مؤكدا أن العكس هو الصحيح، إذ تشكل حماية المعطيات شرطا أساسيا لمصداقية الاقتصاد الرقمي واستمراره. ضاربا مثالا بقانون السير والجولان، موضحا أن حوادث السيرلا تقع بسبب غياب رجال الأمن، بل نتيجة عدم احترام القانون. وبالمثل، فإن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لا تتحقق فقط عبر وجود سلطة رقابية، وإنما من خلال احترام الجميع للقواعد المنظمة لمعالجة المعطيات، مع وجود نظام رقابي وعقوبات رادعة عند الاقتضاء.

ومن هذا المنطلق، اضطلعت اللجنة الوطنية بأدوار متعددة شملت التوعية والتحسيس، وتفسير المقتضيات القانونية، والمساهمة في بناء الاجتهادات والممارسات الفضلى، إلى جانب مهام التنظيم والمراقبة، وفق تعبير السغروشني.

السيادة الرقمية

وبخصوص مفهوم السيادة الرقمية، يوضح السغروشني أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لا ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة كما هو متداول في بعض النقاشات، بل تركز أساسا على ضمان استمرارية الحماية القانونية للمعطيات أينما انتقلت. ذلك أن العالم الرقمي، تجاوز الحدود التقليدية للدول وأصبح قائما على التدفقات المستمرة للمعلومات والمعطيات. لذلك فإن المعيار الأساسي يتمثل في التأكد من أن الجهة أو الدولة التي تستقبل المعطيات توفر مستوى من الحماية لا يقل عن ذلك المعتمد في المغرب.

وفي المقابل، تظل قضايا الأمن السيبراني والسيادة المرتبطة بالمعطيات الحساسة للدولة من اختصاص جهات أخرى، من بينها المديرية العامة لأمن نظم المعلومات DGSSI، في إطار مقتضيات القانون رقم 05.20. بحسب تعبيره، مؤكدا أن حماية المعطيات والأمن الرقمي مجالان متكاملان ومتفاعلان، لكنهما يظلان مختلفين من حيث الاختصاصات والأهداف، مشددا على أن استقلالية اللجنة الوطنية عن السلطة التنفيذية وباقي المؤسسات تشكل عنصرا جوهريا في بناء الثقة لدى المستثمرين الوطنيين والدوليين، وشرطا أساسيا لاقتصاد قائم على المعطيات.

ولتوضيح رؤيته بشأن التحكم في المعطيات ذات الطابع الشخصي، استحضر السغروشني مثال النظام البنكي، متسائلا إن كانت تعني السيطرة على الأموال الاحتفاظ بها داخل خزائن مغلقة كما كان يحدث في الماضي، أم إيداعها في الأبناك للاستفادة من الخدمات والمعاملات الاقتصادية. معتبرا أن الأمر نفسه ينطبق على المعطيات ذات الطابع الشخصي، فمشاركتها مع التطبيقات والخدمات الرقمية أمر ضروري للاستفادة من مزايا العصر الرقمي، لكن ذلك لا يعني السماح لأي جهة بالوصول إليها أو استعمالها خارج الأطر القانونية المحددة.

وأكد أن قوانين حماية المعطيات يجب أن تؤدي دورا مماثلا للقوانين البنكية التي تنظم حركة الأموال وتحميها، داعيا إلى رفض كل أشكال المعطيات غير المشروعة.
ويرى رئيس اللجنة الوطنية أن اختزال الرقمنة في بعدها التقني يشكل خطأ استراتيجيا جسيما، لأن التحول الرقمي لا يتعلق فقط بتحديث الأدوات والأنظمة، بل بإعادة تشكيل طرق العمل والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية.

وأبرز أن الرقمنة تنتج أصولا غير مادية جديدة وتعيد صياغة استخدام الموارد المادية، ما يجعلها مشروعا مجتمعيا شاملا ينبغي أن يشارك في بلورته خبراء التكنولوجيا إلى جانب المختصين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، محذرا من أن التعامل مع الرقمنة باعتبارها مجرد عملية معلوماتية قد يؤدي إلى حلول لا تنسجم مع خصوصيات المجتمع المغربي وتحولاته المتسارعة.

الإدارة الرقمية

وبخصوص التحول الرقمي للإدارة المغربية، أكد السغروشني أن الرهان الحقيقي لا يكمن في رقمنة المساطر القائمة فقط، بل في إعادة هندسة هذه المساطر وتبسيطها لتصبح أكثر فعالية وقربا من المواطن. موضحا أن الهدف من الرقمنة، يتمثل في تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية، وتحسين جودة المعلومات المقدمة للمواطن، وتعزيز شعوره بالثقة والاطمئنان، بما يسمح له بالتفاعل بشكل أفضل مع الإدارة.

ودعا رئيس اللجنة الوطنية، إلى الانفتاح على التجارب الدولية والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية، مع الحرص على الحفاظ على خصوصية النموذج المغربي ووضع المواطن في صلب كل عملية إصلاح أو تحديث.

وفيما يتعلق بالتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، أقر السغروشني بأن جهود التوعية الحالية لا تزال غير كافية لمواجهة المخاطر المحتملة. وشدد على ضرورة إرساء وعي جماعي واسع وعميق يتجاوز الخطابات الترويجية والتسويقية، مع التركيز على حماية المواطنين من الإزعاج الرقمي ومن محاولات التلاعب والتأثير غير المشروع على اختياراتهم.

وأكد أن اللجنة الوطنية تركز، في نطاق اختصاصاتها، على معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، لكنها تدعو في الوقت نفسه إلى تعبئة جماعية تشمل المواطنين وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمراقبين وممثلي السلطات العمومية ومختلف مؤسسات الدولة، من أجل بناء رؤية مشتركة تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا وتحمي الحقوق والحريات الأساسية في العصر الرقمي.

المقال السابق
من يسهر على مراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بالمملكة المغربية؟
المقال التالي
رئيسCNDP يتسلم نسخة من وثيقة تاريخية بحوزة الأرشيف التركي

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :