استعرض السيد عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ورئيس لجنة الحق في الحصول على المعلومات، خلال حلوله ضيفا على البرنامج المباشر “نخرجو ليها ديريكت” الذي بتثه منصات موقع “برلمان.كوم” يوم السبت 6 يونيو 2026، رؤيته لرهانات حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحق في الحصول على المعلومات في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، مؤكدا أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي هي قضية مجتمعية تستدعي انخراط الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
وشبه السغروشني المعطيات ذات الطابع الشخصي بأعضاء الجسد الإنساني، معتبرا أن المعطى ذو الطابع الشخصي شيء يمتلكه الإنسان ويجب احترامه وحمايته من مختلف المخاطر. وأوضح أن حماية هذه المعطيات تقوم على ركيزتين أساسيتين، تتمثل الأولى في نشر ثقافة مجتمعية جديدة قائمة على احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي، فيما تتجسد الثانية في وجود مؤسسة تسهر على مراقبة مدى احترام هذه المعطيات والتدخل عند الضرورة، وهو الدور الذي تضطلع به اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP.
وفي حديثه عن طبيعة اللجنة، شدد على أن احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي لا يمكن أن يكون قرارا فرديا أو رهينا برأي شخص واحد، بل هو قضية مجتمع تستدعي تدبيرا جماعيا. ولهذا تم إحداث لجنة تضم عددا من الأعضاء المعينين من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يناقشون القضايا المطروحة ويتخذون القرارات بشكل تشاركي ومشترك.
الوقاية الرقمية
يرى السغروشني أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لا تزال غير راسخة بالشكل الكافي لدى جميع المواطنين، معتبرا أن التربية الأولى على هذا الحق تبدأ داخل الأسرة. موضحا أن احترام المعطيات يحتاج بدوره إلى تربية وسلوك يومي يكتسبه الفرد منذ الصغر.
وأضاف أن المجتمع لن يبلغ المستوى المطلوب من حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ما لم يحترم الأفراد أنفسُهم هذه المعطيات في تعاملاتهم اليومية، مؤكدا أن الخطر يزداد عندما لا تكون طريقة تعامل بعض الجهات مع هذه المعطيات مطابقة للمقتضيات القانونية والأخلاقية المطلوبة.
وفي أمثلة من الحياة اليومية، أشار إلى أن احترام المعطيات يجب أن يبدأ من الممارسات البسيطة، مثل ترك مسافة كافية بين المرتفقين داخل الإدارات وعدم الاطلاع على معطيات الآخرين، أو تفادي استقبال عدة مرضى في الوقت نفسه داخل بعض العيادات وسؤالهم عن حالتهم الصحية أمام الآخرين.
تطور تدريجي
وسجل رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أن الوضع عرف تطورا ملحوظا مقارنة بما كان عليه سنة 2009، مشيرا إلى أن اللجنة وقعت خلال السنوات الأخيرة عددا من الاتفاقيات والشراكات مع مؤسسات وهيئات مختلفة، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، وعيا متزايدا بوجود قانون يجب احترامه قبل الشروع في معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.

وأوضح أن هذه المؤسسات قد لا تكون وصلت بعد إلى التطبيق الكامل للمقتضيات القانونية، لكنها تعبر عن إرادة حقيقية ورغبة واضحة في الامتثال للقانون والانخراط في مسار احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وأشار السغروشني إلى أن اللجنة بدأت في الاشتغال مع مؤسسات كبرى، قبل أن توسع دائرة تدخلها لتشمل قطاعات ومهنا مختلفة، من بينها الأطباء والمحامون والموثقون والعدول والفنادق والمطاعم، بهدف ترسيخ احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي وضمان تطبيق القانون داخل مختلف المجالات.
وأوضح أن بعض المواقف الرافضة لتطبيق القانون لا تزال موجودة، لكنها تبقى حالات محدودة. وأبرز أن هناك فرقا بين القوانين الخاصة التي تؤطر بعض المهن والقانون الأفقي المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وأضاف أن قانون حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي يهم ثلاث مراحل رئيسية، تتمثل في تجميع المعطيات واستعمالها والتخلي عنها، موضحا أن القانون يمنح الشرعية لطرق التجميع ويؤطرها. كما شدد على أن وجود قوانين خاصة ببعض المهن لا يمنع تطبيق مقتضيات حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي داخل فضاءات العمل، سواء تعلق الأمر بمكاتب المحامين أو العيادات أو غيرها.

وكشف عن استمرار النقاش مع عدد من الهيئات المهنية التي تختلف آراؤها بشأن مدى انطباق القانون عليها، مشيرا إلى أن بعض الهيئات بدأت تتقارب مع اللجنة وتتفهم مقتضيات القانون، في حين لا تزال جهات أخرى تعتبر أنها غير معنية به. وأكد أن اللجنة تواصل عملها اليومي والدؤوب من أجل الوصول مستقبلا إلى تطبيق طبيعي وسلس للقانون.
خط مباشر
وفيما يتعلق بتلقي الشكايات والاستفسارات، أوضح السغروشني أن اللجنة وضعت الرقم المختصر 3020 رهن إشارة المواطنين منذ أزيد من سنة، حيث يمكن الاتصال به لتقديم الشكايات أو طرح الأسئلة المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وأضاف أن CNDP تلتزم بالتفاعل مع المواطنين في آجال تتراوح بين 48 ساعة و72 ساعة. كما يمكن تقديم الشكايات عبر المنصة الرقمية الخاصة باللجنة. وأشاد بالمجهودات التي تبذلها أطر اللجنة في هذا المجال، مجددا التأكيد على أن حماية المعطيات تظل قضية مجتمع، ولن تحقق فعاليتها الكاملة ما لم تعتبر قضية أساسية تستحق الانخراط الجماعي.

بين الوساطة والقضاء
وحول صلاحيات CNDP، أوضح السغروشني أن المغرب يتوفر على قضاء واحد، وأن اللجنة تحاول في المقام الأول معالجة الإشكالات بالطرق الودية والمؤسساتية.
وأشار إلى أن اللجنة تمتلك صلاحيات إدارية تمكنها، في بعض الحالات، من سحب تراخيص أو حجز وسائل وتجهيزات مثل الحواسيب والكاميرات. وكشف أن اللجنة قامت مؤخرا بإزالة كاميرا من أحد الأماكن تحت مراقبة السيد وكيل الملك وبحضور السلطات المختصة، مع الاحتفاظ بحق الأطراف المتضررة في اللجوء إلى القضاء الإداري.
أما في الحالات التي تستدعي عقوبات جنائية أو غرامات مالية أو عقوبات سالبة للحرية، فإن اللجنة تحيل الملفات على النيابة العامة من أجل مباشرة المساطر القانونية المعمول بها. كما أعلن عن العمل على مشروع تطبيقي جديد بتنسيق مع النيابة العامة من شأنه تسهيل الإحالة المباشرة ومعالجة الملفات بشكل أكثر سرعة وفعالية.
وأكد أن اللجنة لا تتدخل في السر المهني ولا تهتم بمضمون العلاقة بين الطبيب ومريضه مثلا، بل تهتم بمسار المعطيات وحمايتها. فإذا اتصل شخص بطبيب نفسي مثلا، فلا ينبغي أن يعلم الآخرون بذلك، لأن حماية هذا المسار تساهم في دعم السر المهني وليس في المساس به.
توازن بين حقين
وشدد السغروشني على أن اللجنة مؤسسة عمومية أنشأتها الدولة وتعمل وفق القانون وضمن الرؤية العامة للمؤسسات العمومية. وأوضح أن المشرع المغربي أحدث لجنتين متكاملتين، هما اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ولجنة الحق في الحصول على المعلومات، وأسند رئاستهما إلى الشخص نفسه بهدف تحقيق التوازن بين الحقين.

وأضاف أن بناء مجتمع ديمقراطي يقتضي ضمان الحق في الحصول على المعلومات إلى جانب حماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، معتبرا أن المحاسبة والشفافية لا يمكن أن تتحققا إلا في إطار هذا التوازن الضروري.
الانضباط الرقمي
وتوقف السغروشني عند التحولات التي فرضتها الرقمنة، مشيرا إلى أن تضخم المعطيات يفرض على المجتمع حسم اختياراته بشأن طريقة تدبيرها. وتساءل عما إذا كان المجتمع يريد العيش في ما وصفه بـ”التْبَركيك الرقمي”، أم في مجتمع منظم ومؤطر يحدد من له الحق في الاطلاع على المعطيات، وكيف يتم ذلك وفي أي ظروف، بعيدا عن الفوضى والاستغلال.
وأوضح أن الاتفاقيات التي توقعها اللجنة مع المؤسسات المختلفة تندرج ضمن رؤية تروم مواكبة هذه المؤسسات في بناء منظومات تحترم معطيات الأفراد وتعالجها في إطار قانوني واضح ومعقول.
وكشف أن عملا مشتركا انطلق منذ أكثر من سنة بين وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة والمديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات واللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، حيث عقدت أكثر من أربعين اجتماعا على أعلى مستوى من أجل اقتراح حلول عملية تواكب الرقمنة وتساهم في تبسيط المساطر الإدارية.
كما أشاد بوعي المديرية العامة للأمن الوطني المبكر بضرورة الانتقال من مفهوم الأمن التقليدي إلى الأمن الرقمي، مؤكدا أن الهدف ليس إسكات المواطنين أو الحد من النقاش العمومي، بل تنظيمه وتأطيره ضمن رؤية قائمة على الحماية والهيكلة.
منصة “ثقتنا”
وفي إطار جهود التحسيس والتوعية، كشف السغروشني عن إطلاق منصة “ثقتنا.ما”، التي تهدف إلى خلق حوار مباشر مع المواطنين بمختلف مناطق المملكة، والمساهمة في تعزيز الوعي المجتمعي بقضايا حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

وأوضح أن المنصة تسعى إلى بناء توجه مجتمعي جديد يجعل الأفراد أكثر وعيا بهذه القضايا وأكثر قدرة على فهم رهاناتها وأبعادها، مؤكدا أن جميع الوسائط التواصلية تظل مهمة في هذا المجال، سواء كانت ورقية أو رقمية أو سمعية بصرية.
الشفافية الإدارية
وبخصوص لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI ، أوضح السغروشني أن دور اللجنة لا يتمثل في تقديم الأجوبة عوض الإدارات، بل في تتبع احترام المساطر القانونية. فكل إدارة مطالبة بالرد على طلبات المواطنين في الإطار الذي يحدده القانون، وتتحمل مسؤولية مضمون الجواب الذي تقدمه.
وأضاف أن المواطن يمكنه الطعن أو اللجوء إلى اللجنة ثم إلى المحكمة الإدارية، مؤكدا أن هناك قضاء واحدا في بلادنا ومؤسسات مختلفة تحاول القيام بأدوار الوساطة والمواكبة.
كما استعرض مداولة أصدرتها اللجنة قبل ست سنوات، هدفت إلى إبراز مفهومين أساسيين، يتعلق الأول بتحليل الأثر وتبرير القرارات المتخذة في ضوء السياق العام، مستحضرا مثال فترة جائحة كوفيد-19 التي فرضت موازنة بين حماية الحياة الخاصة والحق في الحياة.
أما المفهوم الثاني فيرتبط بما يعرف بتقنية “SandBox”، أو بيئة الاختبار المعزولة، باعتباره إطارا تجريبيا يتيح للمؤسسات والمواطنين اختبار بعض الحلول والتكنولوجيات الجديدة ومتابعتها قبل تعميمها، بما يضمن احترام القيم والقواعد المتوافق عليها مجتمعيا.

التنافسية الرقمية
وفي حديثه عن المقاولات الناشئة، أوضح السغروشني أن CNDP تعمل على إقناع حاملي المشاريع والشركات الناشئة بأهمية احترام المعطيات ذات الطابع الشخصي، ليس فقط باعتباره التزاما قانونيا، بل أيضا باعتباره عاملا من عوامل التنافسية الاقتصادية.
وأشار إلى أن احترام المعطيات يسهل على هذه المقاولات الولوج إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية والعالمية، ويعزز فرصها في التطور وجذب الشركاء والمستثمرين.
وختم بالتأكيد على أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ليست مجرد مقتضيات قانونية أو إجرءات تقنية، بل مسار مؤسساتي وورش مجتمعي متكامل، يضع المواطن في صلب الاهتمام، ويستدعي انخراط الأفراد والمؤسسات من أجل بناء مجتمع أكثر وعيا وثقة ومسؤولية.