خلُص تقرير أنجزته لجنة تقصي حقائق في البرلمان الفرنسي تحت اسم “التبعيات البنيوية ومَواطن الهشاشة النظامية في القطاع الرقمي والمخاطر التي تهدد استقلال فرنسا”، أن السيادة الرقمية غدت قضية استراتيجية تتصل مباشرة باستقلال الدول، وحماية معطيات مواطنيها، واستمرارية مرافقها العمومية، وقدرتها على اتخاذ القرار بعيدا عن الضغوط القانونية والاقتصادية والجيوسياسية الخارجية.
ورغم أن التقرير الصادر حديثا ينطلق من الواقع الفرنسي والأوروبي، فإن المخاطر التي يرصدها لا تخص فرنسا وحدها، بل تطرح أسئلة مُلحة أمام مختلف الدول التي تسارع إلى رقمنة إداراتها وخدماتها، وتعتمد بدرجات متفاوتة على بنيات تحتية وتطبيقات ومنصات سحابية أجنبية خاصة منها الأمريكية ما قد يشكل هشاشة تمس الأمن العام والاقتصاد والديمقراطية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.

سذاجة استراتيجية
اعتبر التقرير البرلماني أن التطورات الجيوسياسية أعادت بقوة سؤال الاستقلال الرقمي إلى صدارة النقاش العمومي، بعدما عاشت فرنسا وأوروبا لسنوات، ما وصفه التقرير بنوع من “السذاجة الاستراتيجية”، تمثلت في التعامل مع الاعتماد على التكنولوجيا الأمريكية باعتباره أمرا طبيعيا وخاليا من المخاطر السياسية.
غير أن تغير العلاقات الدولية، وتصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية، وامتداد أثر التشريعات المحلية إلى خارج الحدود، أظهر أن الدولة التي لا تتحكم في بنيتها الرقمية الأساسية قد تجد نفسها عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة أو عن ضمان استمرار خدماتها الحيوية، في حال تغيرت مواقف الدولة التي تنتمي إليها الشركات المزوِّدة، أو فرضت قيودا قانونية وتجارية جديدة.
ومن هذا المنطلق، حاولت لجنة التقصي الفرنسية الساهرة على إنجاز التقرير، الإجابة عن سؤال بالغ الدلالة متمثلا في: هل تستطيع الإدارات والمؤسسات الفرنسية الاستمرار في العمل في حال توقفت خدمات أو تقنيات أمريكية أساسية بصورة مفاجئة؟
ولا يخصُّ هذا السؤال فرنسا وحدها، بل يمكن لكل دولة تعتمد إداراتها ومستشفياتها وجامعاتها ومؤسساتها الاقتصادية على منصات أجنبية أن تطرحه على نفسها، فماذا سيحدث في حال تعذر الوصول إلى البرمجيات أو الخوادم أو أدوات التواصل والعمل التي أصبحت تقوم عليها الوظائف اليومية للدولة؟
مراكز المعطيات
يضع التقرير البرلماني الحوسبة السحابية ومراكز المعطيات في قلب النقاش بشأن السيادة الرقمية. فبعدما كانت الإدارات والمؤسسات تحتفظ بمعطياتها داخل خوادم محلية، أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على خدمات سحابية تقدمها شركات عالمية لتخزين الوثائق وتشغيل التطبيقات وتدبير العمليات اليومية.
ولا يقتصر الإشكال، وفق معطيات التقرير الفرنسي، على مستوى أمن هذه الخدمات، بل يشمل أيضا موقع تخزين المعطيات، والقانون الذي يخضع له المزود، والجهات التي يمكنها طلب الوصول إليها، ومدى قدرة المؤسسة على استرجاعها أو نقلها إلى مزود آخر.
ويتوقف التحقيق عند التشريعات الأمريكية ذات الأثر خارج الحدود، وفي مقدمتها قانون “Cloud Act” وبعض مقتضيات قانون “FISA”، التي تسمح في ظروف معينة للسلطات الأمريكية بطلب الوصول إلى معطيات تحتفظ بها شركات أمريكية، حتى عندما تكون هذه المعطيات مخزنة خارج الولايات المتحدة الأمريكية. ما يعني أن وجود الخوادم داخل تراب دولة معينة لا يضمن بمفرده خضوع المعطيات لسيادتها الكاملة، إذا كانت الشركة التي تدير تلك الخوادم خاضعة لقانون أجنبي يمكن أن يلزمها بتسليمها.
الشركات المُهيمنة
يرصد التقرير هيمنة مجموعة محدودة من الشركات، وفي مقدمتها ” Amazon” عبر خدمة AWS، و” Microsoft” من خلال ” Azure ” و” Microsoft 365″، و”Google ” عبر “Google Cloud ” ومحرك البحث ومنظومة الإعلانات.
ولا تقتصر سيطرة هذه الشركات على خدمات سحابية منفصلة، بل تمتد إلى البرمجيات المكتبية وأنظمة الهوية والتواصل وقواعد المعطيات والإعلانات الرقمية ومحركات البحث وأدوات الذكاء الاصطناعي، بما يجعلها فاعلا استراتيجيا يمتلك نفوذا يتجاوز مجرد تقديم خدمة تجارية.

فالسيطرة على الطبقات التقنية التي تعتمد عليها الإدارات والمقاولات تمنح المزود قدرة متزايدة على تحديد شروط الاستخدام والأسعار وطرق معالجة المعطيات. كما تتيح له بناء منظومة متكاملة يصعب على المستخدم مغادرتها.
وتصف لجنة التقصي الفرنسية هذه الظاهرة بـ”الاحتجاز داخل منظومة المُزود”، حيث يصبح الانتقال إلى حل آخر مكلفا ومعقدا بسبب عدم توافق الأنظمة، أو صعوبة نقل المعطيات، أو ارتباط الموظفين والعمليات الداخلية ببرمجيات شركة واحدة.
وهنا تتحول الراحة التقنية التي يوفرها الحل في بدايته إلى تبعية طويلة الأمد، قد تقلص هامش اختيار الدولة أو المؤسسة، وتمنح الشركة الأجنبية قدرة غير مباشرة على التأثير في قراراتها الرقمية.
البرمجيات الأجنبية
اعتمدت لجنة التقصي على استبيانات وجهتها إلى الوزارات والإدارات الفرنسية، شملت أنظمة التشغيل والبرمجيات المكتبية وقواعد المعطيات والبرمجيات المهنية وعقود الحوسبة السحابية وحلول الذكاء الاصطناعي.
وأظهرت النتائج أن نحو ثلثي التطبيقات المستخدمة داخل الإدارات الفرنسية جرى تطويرها خصيصا لتلبية احتياجات الوزارات، غير أن الشركات الخاصة تنجز أكثر من نصف عمليات التطوير، فيما تظل نسبة المشاريع المطورة بالكامل داخل الإدارات محدودة.

وبينما تعتمد غالبية التطبيقات الأكثر حساسية على مزودين فرنسيين، تحتل الشركات الأمريكية المرتبة الثانية، مع وجود تطبيقات حيوية يصعب استبدالها على المدى القصير.
ويضرب التقرير مثالا بحزمة Microsoft Office 365، التي تستعملها بعض الوزارات الفرنسية بعد الحصول على استثناءات مؤقتة، بسبب عدم توفر بديل سيادي يقدم المستوى نفسه من الوظائف. وفي المقابل، اختارت مؤسسات أخرى الاحتفاظ بالنسخ المحلية من البرمجيات، أو الانتقال تدريجيا إلى حلول حرة ومستضافة داخل بنيات تحتية سيادية.
الذكاء الاصطناعي
يحذر التقرير من أن الانتشار السريع لأدوات الذكاء الاصطناعي داخل الإدارات قد يخلق موجة جديدة من التبعية الرقمية، أكثر تعقيدا من التبعية للبرمجيات التقليدية.
فبعض المؤسسات تستخدم نماذج محلية أو أوروبية مستضافة داخل بيئات مؤمنة، بينما تعتمد مؤسسات أخرى على أدوات عالمية مثل ” ChatGPT” و ” Microsoft Copilot” و “Google Gemini” و”Claude”.
ولا يكمن الخطر في استخدام هذه الأدوات في حد ذاته، بل في إدخال وثائق أو مراسلات أو معطيات مهنية وشخصية إليها، من دون معرفة دقيقة بكيفية تخزين المحتوى أو إعادة استعماله أو الجهات التي يمكنها الوصول إليه.
وتكشف معطيات التقرير أن التسرب المحتمل للمعطيات لا يحدث دائما بسبب هجوم سيبراني، بل قد يبدأ من تصرف يومي بسيط، عندما ينسخ موظف وثيقة داخلية أو عقدا أو تقريرا أو معطيات مواطنين داخل أداة عامة لتلخيصها أو ترجمتها.
الأخبار الزائفة
لا يحصر التقرير البرلماني مفهوم السيادة في حماية الخوادم والبرمجيات، بل يربطه كذلك بقدرة الدولة والمجتمع على حماية الفضاء المعلوماتي والنقاش العمومي.
ويُظهر التقرير أن الذكاء الاصطناعي ضاعف قدرة الجهات الأجنبية والمنظمة على إنتاج صور ومقاطع وتسجيلات ونصوص مضللة تبدو شديدة الواقعية، بينما تتحكم خوارزميات المنصات الاجتماعية في مدى انتشار هذه المضامين والفئات التي تصل إليها.

ويحذر التقرير من أن تغيير خوارزميات منصة واحدة يمكن أن يؤثر في المواقف السياسية لجزء من المستخدمين، بما قد يمس نزاهة الانتخابات وجودة النقاش الديمقراطي. حيث أن الدولة التي لا تتحكم في بنيتها المعلوماتية، ولا تمتلك القدرة على رصد حملات التضليل وفهم آليات الخوارزميات، قد تجد رأيها العام عرضة للتوجيه من جهات لا تخضع لمؤسساتها أو قوانينها.
ويتوقف التحقيق كذلك عند النموذج الاقتصادي لشركات التكنولوجيا الكبرى، الذي يقوم على الجمع المكثف للمعطيات الشخصية، وبناء ملفات دقيقة عن المستخدمين، وتوجيه الإعلانات إليهم، وتصميم خوارزميات تدفعهم إلى قضاء أطول وقت ممكن داخل المنصات.
مواقف استباقية
تتقاطع خلاصات التقرير الفرنسي مع ما أثاره رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، عمر السغروشني، في خرجاته الإعلامية ومداخلاته بشأن التحولات الرقمية وتدفقات المعطيات العابرة للحدود.
كما دأبت اللجنة الوطنية CNDP على وضع السيادة الرقمية في صلب النقاش حول حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، والتنبيه إلى أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يفرضان إعادة تعريف مفهوم السيادة، بما يراعي قدرة الدول على حماية حياتها الخاصة. كما تحمي الحياة الخاصة للأفراد.
وفي هذا السياق، أكد السغروشني أن “السيادة ليست أكثر ولا أقل من احترام الحياة الخاصة للدول”، في تعبير يلخص الترابط بين حماية المعطيات والسيطرة على البنيات التحتية الرقمية واستقلال القرار الوطني. فكما يحق للفرد أن يعرف من يعالج معطياته ولأي غرض وأين تُخزن ومن يمكنه الوصول إليها، تحتاج الدولة بدورها إلى معرفة من يتحكم في أنظمتها وخوادمها وبرمجياتها، وما القوانين التي يخضع لها، وما إذا كانت قادرة على تغيير المزود أو استرجاع معطياتها عند الضرورة.
كما شدد رئيس اللجنة الوطنية على أن السيادة ليست مسألة انغلاق على الذات، بل هي مسألة العيش بكرامة وبإنسانية. وعدم الكسل وترك الآخرين يفكرون بدلا منا، باستخدام خوارزمياتهم لاتخاذ القرارات بدلا منا.