قال عمر السغروشني رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي بأن التكنولجيا الحديثة تولد ما أسماه بالتقاعس الرقمي محذرا من مخاطر هذا السلوك و داعيا إلى تبني مقاربة جديدة للسيادة الرقمية تحفظ كرامة المواطن و تعزز ثقته الرقمية.
و خلال مداخلته ضمن فعاليات المعرض الدولي GITEX AFRICA MOROCCO 2026 المنعقد بمراكش من الفترة الممتدة من 7 إلى 9 أبريل 2026 حذر رئيس الهيئة بنبرة صريحة من تداعيات تسارع الزمن و الخمول الرقمي و تأثيره على الكرامة الإنسانية.

وفي هذا الإطار أشار إلى أن حماية الخصوصية و المعطيات الشخصية هي واجبة بحكم القانون و ذلك بغض النظر عن الوسيلة التي تستعمل لحمل هذه المعلومات (ورق، صوت، صورة، معطيات رقمية، معلومات جينية، إلخ.…). وينطبق الأمر كذلك على الورق المستخدم للف الكاوكاو (الفول السوداني) من طرف الباعة،يضيف السغروشني،منبها في الوقت ذاته إلى مخاطر استخدام أوراق صادرة عن الإدارة أو نسخ تلاميذ أو طلاب جامعيين تم إعادة تدويرها داعيًا إلى إخضاع عملية بيع الأرشيفات بالتقسيط لقواعد معينة، تضمن حماية المعطيات الشخصية.

“مع ظهور التكنولوجيا الرقمية، تغيرت المعطيات. هناك تسارع. لنأخذ مثال مراقبة الدخول ،الحالة الأولى مثلا، و التي تتطلب ملء استمارة ورقية عند التوجه إلى إحدى الإدارات. إذا أردت معرفة عدد المؤسسات التي زارها شخص ما في يوم واحد، يجب أن أقوم بجولة تشمل جل الإدارات، وأطلع على الاستمارات المملوءة، وأقوم بتجميع المعلومات. يستغرق هذا وقتًا طويلاً. لن أفعل ذلك ما لم يكن لدي سبب مهم غير التبركيك” استرسل موضحًا.
على خلاف المثال الأول ، يضيف المتدخل، يتم تسجيل الدخول إلى إحدى الدوائر الإدارية رقمياً على خادم واحد مشترك بين جميع المراكز الإدارية،و يصبح التحقق من عدد زيارة مرتفق ما يومياً أمراً سهلاً. يتطلب استخراج هذه المعلومة أقل من ثانية واحدة عبر قاعدة المعطيات. يمكنني القيام بذلك أثناء تناول وجبة خفيفة” يواصل مازحًا في إشارة إلى سهولة و آنية العملية.
ويستدرك للتنبيه بالسهولة التي تسمح بها التكنولوجيا الرقمية إنجاز الأمور، وبشكل أساسي بسرعة أكبر، مقارنة بالورق والوسائل اليدوية، وهي سهولة لا تخلو من مخاطر. “تتيح التكنولوجيا الرقمية توفير الوقت وتسريعه.وبالتالي، الوصول إلى آثارنا بسهولة أكبر مقارنة بالكلام الشفهي أو الورق” يذكر الرئيس كما تسمح بكشف التتبعات الرقمية عن بياناتنا السلوكية (Behavioral data) وهكذا يتم التعبير عن ذواتنا رقمياً.
عامل تسريع
و هنا يدق السغروشني ناقوس الخطر عبر سؤاله “هل تريدون إتاحة الوصول إلى ”ذواتكم الرقمية“ للجميع؟”.
مبرزًا في الوقت ذاته أن التكنولوجيا الرقمية تسمح بتسريع من وقت معالجة معطياتنا الشخصية وتحليل حياتنا الخاصة، وذواتنا. ولهذا السبب، تحاول المجتمعات الحديثة، التي لا تتعامل مع التكنولوجيا الرقمية باعتبارها مجرد تقنية لا تؤثر على المجتمع ولا تمتلك رؤية استراتيجية، تنظيم استخدامها بحيث يتم إعطاء الأولوية للثقة والأخلاق. “لهذا السبب نركز عملنا على المعطيات الشخصية”يشدد المتدخل.

في نفس السياق يشرح رئيس اللجنة كيفية مساهمة شبكات الجيل الخامس (5G) وإنترنت الأشياء (IoT) في زيادة إنتاج معلوماتنا القابلة للتتبع، أي معطياتنا الشخصية. وفي مواجهة هذا التكاثر الهائل، توفر الذكاء الاصطناعي آليات ضخمة للتتبع والتحليل واتخاذ القرار.
“ما دور الذكاء الاصطناعي؟ إنه عامل تسريع للتحول الرقمي. وقد أصبح هذا التحول مذهلاً. ماذا يحدث إذن؟ أصبحنا نميل أكثر إلى اتخاذ قرارات تلقائية. يجب أن تظل هذه القرارات تحت السيطرة البشرية. علينا التحقق من أخلاقياتها وشفافيتها وولائها ونزاهتها” يدعو المتدخل خلال عرضه .
الالتزامات القانونية
“علينا أن نتجنب الكسل الذي يدفعنا إلى ترك الآخرين يتخذون القرارات نيابة عنا. فعندما يتخذون القرار نيابة عنا بضغط الفرامل لتجنب وقوع حادث (عندما نقترب من سيارة أخرى أو من جدار)، فهذا أمر جيد. لكن عندما يتخذون القرار نيابة عنا، لاتخاذ قرار استراتيجي يتعلق بتدبير بلادنا أو بمستقبلنا كمواطنين، فإن ذلك يعني انتهاكًا للسيادة.لذا فإن فقدان السيادة يترجم إلى ظهور الكسل. أي ترك الآخرين يفكرون ويقررون نيابة عنا.ولكي يفعلوا ذلك، يحتاجون إلى:
- معطياتنا الشخصية (الوصول غير المشروع عن طريق الاختراق الإلكتروني أو غيره)،
- وسائل التحليل (مثل الذكاء الاصطناعي وما سيتبعه).
لهذا السبب يجب تشجيع الالتزامات القانونية. ليس للحد من النشاط، بل لتقليل مخاطر الاختراق. هذه هي مهمة اللجنة الوطنية (CNDP). وللوصول إلى هذا الهدف يتم تفعيل المراقبة والتنبيه. ليس للرقابة وإصدار العقوبات، بل للتنبؤ بمخاطر الاختراق التشغيلي. و هي المهمة المنوطة إلى المديرية العامة للأمن نظم المعلومات (DGSSI).
ولهذا الغرض تعمل هاتان المؤسستان على تعزيز خبراتهما في مجال الوسائل التكنولوجية (الذكاء الاصطناعي والكمي وغيرها). ليس للتباهي بالمعرفة، بل للتأكد فيما يخص للCNDP، ألا تؤدي جميع التطورات التحليلية إلى اتخاذ قرارات غير أخلاقية وغير مقبولة ولا تحترم الخصوصية.و بالنسبة للـ DGSSI، ألا تسمح جميع التطورات التحليلية بالوصول العملي إلى المعطيات التي قررت عدم تقاسمها”.
مسألة كرامة
“السيادة ليست مسألة انغلاق على الذات، بل هي مسألة العيش بكرامة. العيش بإنسانية. عدم الكسل وترك الآخرين يفكرون بدلاً منا، باستخدام خوارزمياتهم، لاتخاذ القرارات بدلاً منا.يجب تنظيم تفكيرنا ومنهجيات التحليل للمعطيات المستخدمة” يضيف السغروشني مؤكدًا أن”حماية المعطيات والذكاء الاصطناعي والسيادة تسيران جنبًا إلى جنب. يجب أن نستخدمها للحفاظ على كرامتنا” مٌرحِبًا في الوقت ذاته بالإعلان الذي صدر يوم أمس بشأن الرهان على نموذج جديد للسيادة التكنولوجية.
نموذج يقنن من تصدير الكرامة حسب رئيس اللجنة داعيا بهذه المناسبة إلى ضبط آثار تسارع الزمن. “يجب أن نكون أقل كسلاً. وأكثر كرامة” حسب تعبيره. و في ختام مداخلته ذكر السغروشني بالرهانات المستقبلية ألا وهي “حماية المعطيات والذكاء الاصطناعي والسيادة مع السيطرة على آثار تسارع الزمن ومحاربة الكسل”.