أكد المشاركون في الندوة حول موضوع “نزاهة المعلومات والثقة الرقمية”، ضمن أشغال المؤتمر المنعقد بالرباط تحت شعار “المعلومة العمومية رافعة للتنمية: بين الحقوق والحكامة والتحول الرقمي”، أن تنامي التضليل الإعلامي في الفضاء الرقمي أصبح يشكل تحديا متزايدا أمام ضمان وصول المواطنين إلى معلومات دقيقة وموثوقة، داعين إلى اعتماد مقاربات متكاملة قانونية وتقنية وتربوية لتعزيز الشفافية وحماية المجال المعلوماتي.
وتأتي هذه الندوة على هامش الجمع العام الانتخابي للشبكة الإفريقية لهيئات الحق في الحصول على المعلومات (ANIC)، بمشاركة مسؤولين وخبراء وممثلي هيئات وطنية وإقليمية ودولية من مختلف البلدان الإفريقية.
أكد عبد الحكيم المرابط، عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، أن الفضاء الرقمي تحول إلى بيئة تصاغ فيها التوجهات وتبنى أو تهدم من خلالها مصداقية المؤسسات، معتبرا أن الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة أصبحت تشكل تحديا كبيرا أمام إعمال الحق في الحصول على المعلومات. وأوضح أن هذه الظاهرة تساهم في إعادة تشكيل البيئة الرقمية بشكل يؤدي إلى حجب المعلومات الصحيحة كما تمس بمصداقية المؤسسات وتزعزع ثقة المواطنين فيها.
مقاربة تربوية
وأشار المرابط إلى أن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي اعتماد مقاربة قانونية تقوم على سن تشريعات صارمة تحد من انتشار الأخبار الزائفة، إلى جانب مقاربة تقنية ترتكز على تطوير منصات للتحقق من المعلومات وتوفير معطيات شفافة ونزيهة، فضلا عن مقاربة تربوية تقوم على إدراج التربية الإعلامية ضمن المناهج التعليمية. واعتبر أن توفير بيئة معلوماتية سليمة يشكل شرطا أساسيا للحد من الإشاعات والأخبار الزائفة.


وأضاف أن التدخل السريع للهيئات والمؤسسات المعنية عند رصد أخبار زائفة من شأنها الإضرار بالمؤسسات أو السلطات العمومية يعد أمرا ضروريا، وذلك من خلال إصدار بلاغات رسمية وتقديم معلومات مدققة للرأي العام. كما دعا إلى الاستثمار في إنشاء منصات متخصصة للتحقق من صحة المعلومات قصد الحد من انتشار التضليل.
كما أبرز الدور المحوري للسلطات العمومية في هذا المجال، داعيا إلى إحداث منصات للمعلومات المفتوحة تتضمن معطيات مُحيّنة ودقيقة المصدر، واعتماد معايير الشفافية والنزاهة المعلوماتية باعتبارها جزءا من حماية الأمن الوطني. وشدد على أهمية التواصل العمومي الصادر عن الجهات الرسمية، وإتاحة المعلومات عبر النشر الاستباقي من طرف مؤسسات الدولة والهيئات العامة والخاصة، وفق ما تنص عليه المادة 10 من القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
إصلاح تشريعي
من جانبها، أكدت وفاء الدويمي، مديرة قطب التواصل والترجمة بالمجلس الأعلى للحسابات، أن الحق في الحصول على المعلومات يشكل أحد المرتكزات الأساسية لممارسة صحافة مهنية وذات مصداقية، خاصة في ظل الانتشار المتزايد للأخبار الزائفة والمعلومات المضللة عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
وشددت على ضرورة تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المرتبط بمكافحة الأخبار الزائفة، من خلال اعتماد قانون خاص للتصدي للأخبار المضللة، على غرار التجارب المقارنة، ولا سيما القانون الفرنسي لسنة 2018، والقانون الألماني المعروف بـNetzDG، وكذا قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA).


كما دعت إلى تسريع مراجعة القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، بما يضمن تعزيز التزامات المؤسسات العمومية بالنشر التلقائي والاستباقي للمعطيات والمعلومات ذات المصلحة العامة. وأكدت أهمية التفعيل الفعلي لمقتضى الاستعجال عبر احترام أجل ثلاثة أيام المنصوص عليه قانونا، مع التفكير في تقليص الأجل العادي للرد على طلبات الحصول على المعلومات إلى 24 ساعة، بما ينسجم مع متطلبات العمل الصحفي وسرعة تداول الأخبار.
وأضافت أن تعزيز دور لجنة الحق في الحصول على المعلومات يقتضي تمكينها من الموارد البشرية والتقنية الكافية، وتوسيع إشعاعها وحضورها لدى الرأي العام، بما يمكنها من الاضطلاع بأدوارها التحسيسية والتأطيرية والرقابية بشكل أكثر فعالية.
ومن بين التوصيات العملية التي اقترحتها الدويمي، إحداث منصة وطنية مستقلة للتحقق من المعلومات (Fact-Checking)، مع الاستفادة من الخبرات والإمكانات المتوفرة لدى وكالة المغرب العربي للأنباء والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة، إلى جانب إرساء نظام للوسم أو الاعتماد يضمن استقلالية هيئات التحقق ومصداقيتها.
وختمت بالتأكيد على أن مواجهة الأخبار الزائفة لا يمكن أن تقتصر على الجوانب القانونية والمؤسساتية فقط، بل تتطلب أيضا الاستثمار في التربية الإعلامية والرقمية، عبر إدماج التربية على الإعلام والمعلومات في سن مبكرة، وتطوير المناعة الرقمية لدى المواطنين، بما يمكنهم من التمييز بين الأخبار الصحيحة والمعلومات المضللة، والمساهمة في بناء فضاء إعلامي أكثر موثوقية ومسؤولية.
ممارسة المواطنة
بدوره، تناول يوسف الغزيل مدير نشر مجلة “الدفاتر القانونية” وخبير في التشريعات الرقمية. موضوع السيادة المعلوماتية في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، معتبرا أن العالم يعيش اليوم عصر التداخل الشامل بين التقنية والسيادة، حيث أصبحت قضية السيادة المعلوماتية رهانا استراتيجيا في زمن التدفقات المعلوماتية العابرة للحدود. وأشار إلى أن الهجمات السيبرانية والأخبار الزائفة أصبحت من أبرز الانشغالات التي تواجه الدول والمجتمعات، مؤكدا أن الولوج إلى المعلومات لم يعد مجرد إجراء شكلي، بل أصبح شرطا أساسيا لممارسة المواطنة.


وأكد الغزيل أن إعمال الشفافية الاستباقية وتكريس الحق في الحصول على المعلومات يشكلان مدخلا أساسيا لمأسسة الحكامة الرقمية، موضحا أن النشر الاستباقي يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة الاختراق الرقمي، لأن إتاحة الوثائق والمعلومات الموثوقة تساهم في تطهير الفضاء الرقمي ذاتيا وتوفر للمواطن محتوى آمنا وموثوقا.
هيئة مشتركة
وشدد على أن المعلومات المتاحة والموثوقة تمثل ركيزة أساسية لبناء إفريقيا وتحقيق التنمية، معتبرا أنه لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل التزييف والتضليل. كما دعا إلى الانتقال بالسيادة المعلوماتية من مجرد شعار إلى واقع مؤسساتي ملموس، مع مراعاة الخصوصية الإفريقية، مؤكدا أن مواجهة التضليل لا ينبغي أن تقوم فقط على الزجر والعقاب، بل على التحصين الفكري والثقافي للمجتمعات، بما يسمح بالانتقال من الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى التفاعل الواعي والنقدي معه.
وفي ختام مداخلته، قدم الغزيل مجموعة من التوصيات، من أبرزها إحداث هيئة إفريقية مشتركة لمحاربة التضليل، وتحديد المسؤولية المدنية والجنائية للمنصات الرقمية، وإلزام الشركات الكبرى المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي بفتح فروع لها في إفريقيا كشرط لممارسة أنشطتها داخل القارة. كما دعا إلى إعداد دفاتر تحملات تلزم المنصات بتطوير خوارزميات للكشف عن الأخبار الزائفة، وإحداث معهد إفريقي للتدقيق الرقمي ومحاربة التضليل، وتعميم نموذج اللجان الوطنية للحق في الحصول على المعلومات في مختلف الدول الإفريقية، فضلا عن إعداد دليل إفريقي موحد يوجه عمليات النشر الاستباقي للمعلومات.