بحث

اختر السمة:

المعطيات المفتوحة ” Open Data”: رافعة للشفافية والابتكار وخلق القيمة

خلود أبجا، ممثلة الإدارات العمومية بلجنة الحق في الحصول على المعلومات

تُنتِج الإدارات العمومية كل يوم، كمية مهمة من المعلومات، كالإحصائيات الاقتصادية والمعطيات البيئية والتعليمية ومعطيات متعلقة بمجال النقل والصحة والمالية العمومية والصفقات العمومية فضلا عن معطيات الخرائط وغيرها.

واليوم، باتت العديد من الدول تختار إتاحة هذه المعطيات للعموم، وهذا هو مبدأ المعطيات المفتوحة ” Open Data”، والتي تشير إلى مجموع المعطيات العمومية التي تنتجها أو تحوزُها الإدارات العمومية، والتي يتم وضعها رهن إشارة الجميع بصيغ مفتوحة، حيث تكون قابلة لإعادة الاستغلال والمعالجة آليا.

ولا يقتصر الهدف على إتاحة المعلومة فحسب، بل في تمكين الجميع من استغلالها وتحليلها وربطها بمعطيات أخرى، واستحداث استخدامات جديدة منها.

وبذلك، ترتكز المعطيات المفتوحة على ثلاثة من المبادئ الأساسية تتمثل في الإتاحة وإعادة الاستخدام والمشاركة، بما يخدم حكامة أكثر شفافية، مع مشاركة مواطِنة أفضل وابتكار قائم على المعطيات.

أكثر من مجرد مسألة تتعلق بشفافية المعطيات

غالبا ما ترتبط المعطيات المفتوحة “Open Data” بشفافية العمل العمومي، وهذا بالفعل أحد أبرز فوائدها.

فعندما يتمكن المواطنون من الولوج بسهولة إلى الميزانيات العمومية والإحصائيات الرسمية أو المعلومات المتعلقة بالصفقات العمومية، يمكن تعزيز الثقة في المؤسسات. كما يتوفر مستخدمو المعطيات المفتوحة على أدوات جديدة لتحليل السياسات العمومية وتقييم أثرها والمساهمة في النقاش الديمقراطي.

مادة أولية للاقتصاد الرقمي

لا تقتصر المعطيات المفتوحة على الشفافية، إذ أنها تشكل مادة أولية للابتكار كذلك.

وتتيح المعطيات المفتوحة للشركات والمقاولات الناشئة والباحثين والمطورين، تصميم خدمات جديدة، مثل تطبيقات التنقل والحلول الزراعية والمنصات العقارية، وخدمات الأرصاد الجوية وأدوات دعم اتخاذ القرار والخرائط الذكية وتطبيقات الصحة الرقمية والتطبيقات السياحية، وغيرها.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تغدو المعطيات ذات الجودة فاعلا استراتيجيا. ذلك أنها تغذي نماذج التحليل، وتحثّ على ابتكار خدمات جديدة وتسرع تطوير حلول ملائمة لاحتياجات المواطنين. وبعبارة أخرى، لا تخلق المعطيات المفتوحة الشفافية فقط، بل تخلق القيمة أيضا.


” عندما يتم إدماج المعطيات المفتوحة بشكل كامل في السياسات العمومية، فإنها تصبح رافعة قوية للتحول.”

— خلود أبجا

بعض الأمثلة على إعادة استخدام المعطيات المفتوحة:

  • تستخدم تطبيقات التنقل المعطيات المفتوحة المتعلقة بالنقل العمومي لاقتراح مسارات محسّنة في الوقت الفعلي.
  • منصات لتتبع جودة المياه أو التنبيه إلى التلوث.
  •  تطبيقات سياحية تتضمن معلومات حول المواقع التي يمكن زيارتها ومواقيت الزيارة ومدى الإقبال وغيرها.

فرصة كبرى للبلدان الصاعدة

بالنسبة للبلدان الصاعدة، تمثل المعطيات المفتوحة فرصة خاصة.وغالبا ما تواجه هذه الدول تحديات كبيرة كالتوسع الحضاري السريع، والضغط على الموارد الطبيعية، والحاجة المتنامية للبنيات التحتية، وتطوير الخدمات العمومية وكذلك التكيف مع التغيرات المناخية. ويمكن للمعطيات المفتوحة أن تساهم في رفع التحديات عبر تسهيل اتخاذ قرارات أكثر وضوحا وتشجيع الحلول المبتكرة التي يتم تطويرها محليا.

كما تتيح للمقاولين الشباب خلق خدمات تستجيب مباشرة لاحتياجاتهم المجالية، دون الحاجة إلى الاستثمار في عمليات جمع معطيات مكلفة. وهكذا تصبح المعطيات المفتوحة مُسرِّعا للابتكار، خصوصا على المستوى المحلي.

الابتكار لا يعتمد على التكنولوجيا فقط

ليس من الكافي نشر المعطيات، فقيمتها الحقيقية تظهر حين إعادة استخدامها.

يتطلب الأمر تطوير منظومة متكاملة حول المعطيات المفتوحة، مع مشاركة المستخدمين المحتملين لإعادة الاستخدام، كالجامعات ومراكز البحث وحاضنات الأعمال والمقاولات والمجتمع المدني وغيرها.

ومن المهم كذلك تقوية القدرات الرقمية وثقافة المعطيات، حتى تصبح هذه المعطيات أدوات حقيقية تدعم اتخاذ القرار وخلق القيمة.

ويشكل تنظيم “هاكاتونات” حول المعطيات المفتوحة “Open Data”، رافعة تشجع على تطوير حالات استخدام المعطيات المفتوحة وإعادة استعمالها.

ولا تكتسي المعطيات أهميتها إلا حين تحدث أثرا ملموسا لفائدة المواطنين.

بناء ثقافة للمعطيات

يتجاوز مستقبل المعطيات المفتوحة نشر الملفات على الأنترنت. إذ يتعلق الأمر ببناء ثقافة حقيقية للمعطيات، قائمة على الجودة والثقة والأخلاقيات والتعاون.

وفي سياق يحتل فيه الذكاء الاصطناعي مكانة متزايدة، ستحظى البلدان القادرة على إنتاج معطيات موثوقة ومشاركتها وتثمينها بميزة تنافسية مؤكدة.

وبالنسبة للبلدان الصاعدة، يمثل هذا التحول فرصة فريدة لتحفيز الابتكار، وتحسين السياسات العمومية، وتشجيع نمو أكثر شمولا.

خاتمة

المعطيات المفتوحة ليست غاية في حد ذاتها. ففتح المعطيات لا يكفي، بل ينبغي أيضا أن تكون موثوقة ومحيّنة بانتظام وموثقة ومنشورة في صيغ مفتوحة، وسهلة إعادة الاستخدام. ذلك أن جودتها وإمكانية الولوج إليها وإعادة استخدامها هو ما يمنحها قيمة حقيقية.

وعندما يتم إدماج المعطيات المفتوحة بشكل كامل في السياسات العمومية، فإنها تصبح رافعة قوية للتحول. فهي تعزز شفافية العمل العمومي، وتساهم في إرساء علاقة قائمة على الثقة بين المواطنين والمؤسسات. ومن خلال تسهيل الولوج إلى المعلومات، فإنها تشجع أيضا على مشاركة مواطنة وتحسن مساءلة الإدارات وتدعم حكامة أكثر انفتاحا.

بالنسبة للبلدان الصاعدة، تمثل المعطيات المفتوحة فرصة إضافية. فمن خلال تثمين المعطيات العمومية،

وفي وقت يحتل فيه الذكاء الاصطناعي وتحليل المعطيات الضخمة والخدمات الرقمية مكانة متزايدة في مجتمعاتنا، تمثل المعطيات المفتوحة رصيدا أساسيا لمواكبة التحول الرقمي للدول وتعزيز قدرتها على الابتكار. كما تشجع على بروز منظومات تعاونية، يمكن فيها للإدارات والشركات والباحثين والمواطنين أن يساهموا بشكل مشترك في بناء أجوبة للتحديات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

وبالنسبة للبلدان الصاعدة، تمثل المعطيات المفتوحة فرصة إضافية. فمن خلال تثمين المعطيات العمومية، يمكن لهذه البلدان تسريع انتقالها الرقمي وتحسين فعالية الخدمات العمومية، وجذب الاستثمارات ودعم الابتكار وتشجيع بروز جيل جديد من رواد الأعمال والباحثين.

وفي نهاية المطاف، تشكل المعطيات العمومية رصيدا جماعيا. فعندما يتم فتحها ومشاركتها وإعادة استخدامها بشكل مسؤول، فإنها تتوقف عن كونها مجرد معلومات إدارية، لتصبح خيرا مشتركا خالقا للقيمة. وهكذا، تظهر المعطيات المفتوحة باعتبارها استثمارا في المستقبل: أداة في خدمة الشفافية والابتكار، وعملا عموميا أكثر فعالية وتعاونا وقربا من المواطنين.

المقال السابق
”ابتسم، أنت قيد التصوير”: كيف تعرف أن المؤسسة تحترم خصوصيتك؟
المقال التالي
حصيلة: لجنة الحق في الحصول على المعلومات تكرّس حضورها وطنيا وتوسّع إشعاعها إفريقيا ودوليا

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :