شهدت أشغال المؤتمر المنعقد بالرباط تحت شعار “المعلومة العمومية رافعة للتنمية: بين الحقوق والحكامة والتحول الرقمي”، والمنظم على هامش الجمع العام الانتخابي للشبكة الإفريقية لهيئات الحق في الحصول على المعلومات (ANIC)، سلسلة من المداخلات الفكرية والمؤسساتية التي تناولت التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، وانعكاساتها على الحق في الحصول على المعلومات وحماية المعطيات الشخصية.
ويعرف هذا اللقاء، الذي تحتضنه لجنة الحق في الحصول على المعلومات يومي 24 و25 يونيو 2026، مشاركة مسؤولين وخبراء وممثلي هيئات وطنية وإقليمية ودولية من مختلف بلدان القارة الإفريقية.


قدّم لحسن حداد، الوزير الأسبق والأستاذ الجامعي، مداخلة حول “التوفيق بين مكافحة التضليل الإعلامي، والحق في الحصول على المعلومات، وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي: نحو عقد اجتماعي جديد لمجتمع المعلومات”، تناول فيها الإشكال المرتبط بحماية المعطيات الشخصية في سياق التحول الرقمي، مبرزا أن المجتمعات انتقلت من إشكالية ندرة المعلومات إلى إشكالية وفرتها المفرطة وتزايد الأخبار الزائفة والمعلومات المضللة، وما يرافق ذلك من صعوبات في التحقق من صحتها.
تمكين المواطنين
وأشار إلى أن القدرة على توليد المعلومات أصبحت مرتبطة بإمكانية التأثير في الرأي العام، وأن المعلومات قد تستعمل بطرق متعددة قد لا تعكس حقيقتها، معتبرا أن المعلومة أصبحت أداة للتواصل والحكامة، خاصة في ظل التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، وما يترتب عنه من إنتاج واسع وسريع للمحتوى.
كما أبرز أن الخوارزميات تميل إلى المحتوى العاطفي والشائك، ما يستدعي ضرورة التنقيح والتمييز بين المعلومات، مؤكدا أن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة جودتها. وأضاف أن المعطيات ذات الطابع الشخصي تمس بكرامة الإنسان، وأن التحكم في الولوج إليها قد يؤثر على حرية الأفراد، في ظل هيمنة المنصات الرقمية على تدبير المعطيات وإعادة تشكيل المحتوى وتأثيره على أنماط العيش، ما يطرح عددا من الإشكالات.



وشدد على ضرورة التمييز بين محاربة التضليل الإعلامي وحماية الحق في الحصول على المعلومات وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، معتبرا أن التحدي يرتبط أساسا بجودة المعلومات وحمايتها ومساءلة المنصات الرقمية، وأن العقد الاجتماعي الجديد ينبغي أن يدمج حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات وحماية المعطيات الشخصية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إلى جانب تمكين المواطنين من المهارات اللازمة للحصول على المعلومات.
معيقات الشفافية
من جانبه، قدم الأستاذ الباحث زكريا غارنو، المتخصص في القانون الرقمي وحماية المعطيات الشخصية والحق في الحصول على المعلومات، مداخلة رئيسية حول “الحق في الحصول على المعلومات كرافعة للشفافية المسؤولة، وتعزيز الثقة المؤسساتية، وتحديث الإدارة”، أبرز فيها أن القانون 31.13 يشكل إطارا لتعزيز الشفافية والثقة والحكامة، معتبرا أنه ليس مجرد نص قانوني، بل هندسة لبناء الثقة بين المواطن والإدارة.
وأوضح أن القانون يوازن بين إتاحة المعلومات وحمايتها، مشددا على أن الشفافية لا تعني كشف كل شيء، بل إتاحة المعلومات مع حماية المعطيات المصنفة. وأشار إلى أن الصمت الإداري والإجابات المبهمة يسهمان في غياب الفهم وتعزيز الشك، وأن التحدي لا يقتصر على البعد القانوني، بل يمتد إلى البعد الإداري والثقافي.
وأضاف أن اعتبار طلب المعلومات تهديدا للإدارة يعيق تطور الشفافية، في حين أن تعزيز الثقة يجعل المواطن شريكا في العملية. كما أشار إلى أدوار لجنة الحق في الحصول على المعلومات في المواكبة، ومعالجة الشكايات، والتحسيس، ودعم المؤسسات، مؤكدا أن غياب التواصل الإداري يفتح المجال أمام الإشاعات والمعلومات المضللة والأخبار الزائفة.
أما السيد عبد الرحيم فكاهي، عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات، فقد تناول موضوع النشر الاستباقي للمعلومات والشمول الرقمي، مبرزا وجود فجوات رقمية مستمرة ذات آثار سلبية، خاصة على بعض الفئات غير المواكبة للتحول الرقمي مثل المسنين والأشخاص ذوي الإعاقة، مما يستدعي إيلاءها عناية خاصة.
وأوضح أن النشر الاستباقي يكتسي أهمية متزايدة في سياق التحول الرقمي، حيث يمكن التمييز بين الحصول على المعلومات تحت الطلب والنشر الاستباقي، معتبرا أن الإتاحة الرقمية ينبغي أن تشكل الأصل، وفق جداول تصنيف تعتمدها المؤسسات والإدارات في انسجام مع المرجعيات القانونية والدستورية.
وأشار إلى أن الحصول على المعلومات العمومية يتطلب توفر منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والاتصالات وأدوات التواصل، بما يضمن سلاسة الوصول إلى المعلومات داخل المرفق العمومي.


الوعاء الحافظ
من جهتها، أكدت ليلى بودي، رئيس مصلحة أرشيف الإدارات المركزية بالمؤسسة الوطنية لأرشيف المغرب، أن المعلومات غير المؤرشفة لا يمكن أن تصل إلى المواطنين، معتبرة أن الأرشيف يشكل الوعاء الحافظ للمعلومة، وأن القانون 31.13 يوفر الإطار القانوني الذي يتيح الولوج إليها.
وأبرزت أهمية الأدوات الأرشيفية كإطار منهجي لترتيب الوثائق وتجميعها، بما يضمن سرعة الولوج إلى المعلومات داخل الآجال المحددة، مشيرة إلى أن مؤسسة أرشيف المغرب تواكب الإدارات في تنظيم أرشيفها، بما يسهم في تعزيز شروط تفعيل الحق في الحصول على المعلومات.
واعتبرت أن الشفافية تعد أحد مؤشرات الحكامة، مؤكدة أنه لا يمكن الحديث عن إدارة شفافة دون وثائق منظمة ومرتبة ومؤمنة، بما يتيح دعم نشر المعلومات وتمكين المواطنين من الولوج إليها.