في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما تفرضه من تحديات متزايدة على مستوى حماية الحياة الخاصة وتعزيز الشفافية، يطرح عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP ورئيس لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، رؤية متكاملة للعلاقة بين القانونين رقم 09.08 و31.13.
وفي مقال رأي نشرته الأسبوعية المغربية “Le Canard Libéré”، يؤكد السغروشني أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحق في الحصول على المعلومات ليسا حقين متعارضين، بل ركيزتين متكاملتين لبناء دولة الحق والقانون، داعيا إلى ترسيخ ثقافة وطنية تقوم على احترام الحياة الخاصة، وضمان الحق في الولوج إلى المعلومات، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويكرس مبادئ الحكامة والديمقراطية.
وفيما يلي نص مقال الرأي:
يجيب كل واحد من القانونين 31.13 و09.08 على إشكالية محددة. فالقانون رقم 09.08 يترجم مقتضيات الفصل 24 من دستور المملكة، الذي ينص على أن: “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”.
كيف يمكن ترجمة هذا المبدأ في واقعنا اليومي؟ يتم ذلك من خلال مطالبة الأشخاص والجهات التي تجمع المعطيات ذات الطابع الشخصي بالالتزام باحترام هذا القانون، الذي يتجاوز كونه مجرد نص قانوني، ذلك أنه يحمل في طياته منظومة من القيم الأخلاقية المستمدة من تاريخنا وتقاليدنا، ومن قيم العالم المعاصر، وهي احترام الآخر، وأن يحظى الإنسان بدوره باحترام الآخرين.
ويتجسد احترام الحياة الخاصة حتى في بعض تفاصيل عمران مدننا العتيقة، من خلال طريقة تشييد المنازل ومواقع النوافذ وتنظيم الممرات الداخلية. وتقوم هذه المبادئ على أسس بسيطة وبديهية، من أبرزها:
- الإعلان عن الغاية من جمع المعطيات والالتزام بها: لماذا يتم جمع المعطيات ذات الطابع الشخصي؟ فإذا قدمنا عنواننا إلى سائق توصيل البيتزا، فإن الغرض هو توصيل الطلب الذي قمنا به، وليس إرسال رسائل نصية إشهارية مزعجة في أي وقت. إنها مسألة تتعلق بالنزاهة والوفاء بالالتزام.
- احترام مبدأ التناسب: أي الاقتصار على جمع المعطيات الضرورية والمعقولة لتقديم الخدمة المطلوبة. فلا حاجة لأن يعرف موزع البيتزا مقدار الضرائب التي أؤديها حتى يتمكن من إيصال طلبي.
- الالتزام قانونيا بضمان أمن المعالجات تنظيميا وتقنيا، ويعني ذلك التعهد بعدم إتاحة الولوج إلى هذه المعطيات إلا للأشخاص الذين يساهمون في تقديم الخدمة التي جُمعت من أجلها، مع اعتماد جميع الوسائل التقنية الكفيلة بتأمينها، سواء تعلق الأمر ببروتوكولات الاتصال وتبادل المعطيات، أو تقنيات التخزين أو وسائل الحماية المختلفة.
- الالتزام بتخزين المعطيات ذات الطابع الشخصي في أماكن مناسبة، داخل التراب الوطني أو خارجه، شريطة أن تتمتع بالحماية القانونية اللازمة.
- تمكين المواطن، الذي تُجمع معطياته ذات الطابع الشخصي، من الاطلاع عليها وتصحيحها عند الاقتضاء.
- إتلاف المعطيات التي تم جمعها متى لم تعد هناك حاجة إليها، وكان القانون يسمح بذلك.
“يَتجسّد احترام الحياة الخاصة حتى في بعض تفاصيل عمران مدننا العتيقة، من خلال طريقة تشييد المنازل ومواقع النوافذ وتنظيم الممرات الداخلية…”
— عمر السغروشني
وتسهم هذه المبادئ في ضمان أن تتم معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي بما يحترم المواطنين ويحفظ كرامتهم. وتزداد أهمية هذه المهمة مع التطور التكنولوجي المتسارع، ولا سيما مع بروز الذكاء الاصطناعي. ففي هذا السياق، يصبح من الضروري الحرص على أن تظل مختلف الآليات التي تقوم عليها القرارات الآلية شفافة ونزيهة وقابلة للفهم وخاضعة للتدقيق، حتى يُحمى المواطن من أي إجراء تعسفي.
استشارة اللجنة
وقد أُحدثت هيئة خاصة للإشراف على احترام هذا القانون وتتبع تطبيقه، وهي اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، التي أُنشئت وفق نموذج الهيئات المماثلة المعتمدة في الدول الديمقراطية.
وينص الفصل 27 من القانون على أن اللجنة الوطنية تبدي رأيها للحكومة وللبرلمان بشأن مشاريع ومقترحات القوانين أو مشاريع النصوص التنظيمية المتعلقة بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، كلما أحيلت عليها.
تجدر الإشارة في هذا الصدد، إلى ملاحظتين أساسيتين. أولاهما، أن الحكومة قد تختار ألا تستشير اللجنة الوطنية إطلاقا. وقد يكون لهذا القرار تفسير قانوني، لكنه يظل غير منسجم سياسيا مع متطلبات التدبير الرشيد للشأن العام. أما الثانية، فتتمثل في ضرورة أن يدرج البرلمان إمكانية استشارة اللجنة الوطنية ضمن نظامه الداخلي، حتى ينسجم مع مقتضيات القانون.

ومن جهة أخرى، تتولى اللجنة الوطنية تتبع ومراقبة مختلف معالجات المعطيات ذات الطابع الشخصي، سواء داخل القطاع الخاص أو القطاع العام أو النسيج الجمعوي.
ولا شك أن الإمكانات الموضوعة رهن إشارة هذه المؤسسة تؤثر بشكل مباشر في قدرتها على الاضطلاع بمهامها وممارسة اختصاصاتها على أرض الواقع.
أما القانون رقم 31.13، فإنه يجيب عن الإشكالية الثانية، من خلال تنزيل مقتضيات الفصل 27 من دستور المملكة، الذي ينص على أن “للمواطنات والمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام”.
منظومة متكاملة
ولا يمكن تقييد الحق في الحصول على المعلومات إلا بمقتضى القانون، بهدف حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد، والوقاية من المساس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور، وحماية مصادر المعلومات، والمجالات التي يحددها القانون بدقة.
ما الغاية من الحق في الحصول على المعلومات؟
ببساطة، يعد هذا الحق أحد الركائز الأساسية لبناء الديمقراطية، التي تقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام. ومن أجل إعمال هذا المبدأ، يصبح الحق في الحصول على المعلومات أمرا لا غنى عنه، لأنه يشكل وسيلة أساسية للتصدي للأخبار الزائفة ولمختلف أشكال التضليل.
فإذا لم يُحترم الحق في الحصول على المعلومات، فلن تكون المساءلة ممكنة، وستصبح الديمقراطية ناقصة وغير مكتملة الأركان. ولهذا الغرض، أُحدثت لجنة الحق في الحصول على المعلومات (CDAI) للسهر على ضمان احترام هذا الحق على الصعيد الوطني.
إن هذين المبدأين، وهما حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحق في الحصول على المعلومات، يتجاوزان كونهما مجرد قانونين، فهما يجسدان منظومة متكاملة من القيم، وقضية ثقافية ينبغي ترسيخها على المستوى الوطني. وهي مسؤولية مشتركة يتحملها الجميع، المواطنون والمجتمع المدني والمقاولات ومسيروها والإدارات العمومية ومسؤولوها وغيرهم.
وكان الكوميدي الفرنسي ريمون دوفوس يقول: “قدمي اليمنى تغار من قدمي اليسرى. فعندما تتقدم إحداهما، ترغب الأخرى في تجاوزها. أما أنا، وكالأحمق، فأواصل السير!”. أكثر من مجرد السير، ينبغي أن تعمل قدم اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وقدم لجنة الحق في الحصول على المعلومات على أن نتقدم إلى الأمام، ولكن دون حماقة.