في خطوة تعزز الاجتهاد القضائي المغربي في مجال حماية الخصوصية، أصدرت محكمة النقض بالرباط قرارا يحدد الضوابط القانونية لاستعمال كاميرات المراقبة من قبل الأفراد، مؤكدة أن حماية المسكن والممتلكات حق مشروع، غير أن ممارسته تظل مقيدة بضرورة احترام الحياة الخاصة للغير وعدم المساس بمعطياتهم ذات الطابع الشخصي إعمالا لمقتضيات الفصل 24 من الدستور المغربي وتفعيلا لأحكام القانون 08-09 الذي تسهر على تطبيقه اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP .
وجاء في القرار الصادر بتاريخ 16 أبريل 2024، في إطار الملف المدني رقم 2023/3/1/1870، أن استعمال كاميرات المراقبة داخل الملك الخاص يظل مشروعا متى كان الهدف منه تعزيز الأمن وحماية الممتلكات، شريطة ألا يمتد مجال تصويرها إلى الفضاءات الخاصة بالآخرين.
وتعود وقائع القضية إلى نزاع بين مستأجر للطابق الأرضي بإحدى الفيلات بمنطقة عين الذياب بمدينة الدار البيضاء ومالكي العقار، بعدما اعتبر المستأجر أن كاميرات المراقبة المثبتة من طرف المالكين موجهة نحو مسكنه، بما قد يمس بخصوصيته، مطالبا بإزالتها. في المقابل، أوضح المالكون أن الكاميرات ركبت لأغراض أمنية بحتة، من أجل مراقبة مداخل العقار وأبوابه وممراته، نافين استهداف المساحات الخاصة بالمُستأجِر أو التدخل في حياته الشخصية.
مرجع قضائي
وسيشكل قرار محكمة النقض مرجعا قضائيا مهما للمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف عند البت في القضايا ذات الصلة، انسجاما مع مقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي.
كما يمثل هذا القرار القضائي قيمة مضافة لعمل اللجنة الوطنية، باعتباره مرجعا قانونيا حديثا يعزز تطبيق النصوص المنظمة لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لكون المحاكم أصبحت تستند في قراراتها إلى الإطار التشريعي والتنظيمي الذي تسهر اللجنة الوطنية على تنزيله وتفعيله.
كما يجسد هذا القرار تنزيلا عمليا على أرض الواقع لمقتضيات القانون 08-09, مدعما جهود اللجنة الوطنية في مجال التحسيس والتوعية ومبرزا أن اللجنة والسلطة القضائية تسيران في الاتجاه نفسه من أجل تعزيز احترام القانون وترسيخ ثقافة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
اجتهاد صائب
في هذا السياق، أكد المحامي بهيئة الرباط، منتصر بلمحجوب، في تصريح لمنصة “ثقتنا”، أن قرار محكمة النقض يرتبط ارتباطا وثيقا بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، باعتبار أن استعمال كاميرات المراقبة يخضع لضوابط قانونية تهدف إلى صون خصوصية الأفراد. وأوضح أن توجيه الكاميرا داخل حدود الملك الخاص يختلف عن توجيهها نحو فضاءات قد تمس بخصوصية الغير، مشيرا إلى ضرورة استيفاء الإجراءات القانونية والحصول على الإذن من اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، الجهة المختصة.
واعتبر بلمحجوب متحدثا ل”ثقتنا”، أن قرار المحكمة جاء في محله ويُعد اجتهادا قضائيا صائبا، لأنه أنصف المواطن المتضرر، لافتا إلى أن الضرر قد يتفاقم بشكل أكبر إذا جرى نشر الصور أو مقاطع الفيديو الملتقطة عبر كاميرات المراقبة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف أن هذا القرار يشكل إنصافا لمقتضيات القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ومن شأنه أن يشكل مرجعا قضائيا مهما للمحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف في القضايا المماثلة، مؤكدا أن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي مؤطرة قانونا ومؤسساتيا، بما يفرض ضمان حماية معطيات الأفراد واحترام حقوقهم.