أكد عبد الرحيم فكاهي، عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، أن النشر الاستباقي يشكل رافعة أساسية لتعزيز الممارسة الجيدة للحق في الحصول على المعلومات، وترسيخ مبادئ الشفافية والحكامة، لا سيما في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وما تتيحه من إمكانات لتقريب المعلومة العمومية من المواطن.
وجاءت مداخلة فكاهي خلال الجلسة الثانية للقاء الجهوي حول البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات، الذي نظمته اللجنة، بشراكة مع جمعية “التعاون للتنمية والثقافة”(ACODEC)، يوم الاثنين 27 يوليوز 2026 بمدينة وجدة، في إطار تعزيز ثقافة هذا الحق الدستوري وتقوية قدرات الفاعلين المدنيين على مواكبة المواطنات والمواطنين في ممارسته.
وأوضح أن تنظيم مثل هذه اللقاءات يتيح للمجتمع المدني فرصة التعرف عن قرب وبصورة مباشرة على لجنة الحق في الحصول على المعلومات، وعلى طبيعة أدوارها واختصاصاتها، مبرزا أن مشاركة المواطنين في الشأن العام تقتضي إرساء قنوات للتواصل المباشر معهم، وهو ما يحرص عليه رئيس اللجنة من خلال اللقاءات الجهوية.

وشدد فكاهي على أن العلاقة بين اللجنة والمجتمع المدني تكتسي أهمية بالغة، بالنظر إلى الدور الذي تضطلع به الجمعيات في تأطير المواطنين والمساهمة في تدبير الشأن العام. واعتبر أن الحق في الحصول على المعلومات يمثل جزءا لا يتجزأ من الممارسات الديمقراطية، متسائلا عن كيفية تمكن الجمعيات من تقديم مقترحات أو المشاركة في إعداد برامج الجماعات الترابية من دون التوفر على المعلومات اللازمة.
ووصف المعلومة بأنها المدخل الأساسي للمشاركة، و”الشمس التي تمنح أشعتُها النور والإضاءة”، لكونها تتيح للفاعلين المدنيين فهم السياسات العمومية وتقييمها، وصياغة مقترحات تستند إلى أُسس ومعطيات دقيقة.
إتاحة المعلومة
وفي معرض تناوله للتحديدات المفاهيمية المرتبطة بالنشر الاستباقي، أوضح فكاهي أن الحديث ينصب أساسا على المعلومة العمومية، باعتبارها معلومة مرتبطة بالمرفق العمومي، وبِقيَم الشفافية والحكامة الجيدة.
وأضاف أن الحصول على هذه المعلومة يمكن أن يتم عبر تقديم طلب، أو من خلال نشرها بصورة استباقية من طرف المؤسسات والإدارات المعنية. غير أنه تساءل، من زاوية مرتبطة بمفهوم الكرامة، عن سبب اضطرار المواطن إلى تقديم طلب للحصول على معلومات يفترض أن تكون متاحة أصلا، وفق ضوابط واضحة وخارج منطق الاستثناء.
وأكد أن الأصل هو إتاحة المعلومة ونشرها، وضمان وصول المرتفق إليها بسهولة، وهو ما يبرز أهمية وجود بوابة وطنية موحدة آمنة وموثوقة، قادرة على تجميع المعلومات العمومية وتيسير الاطلاع عليها.
ولفت إلى أن البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات ستسهم بصورة كبيرة في تطوير النشر الاستباقي، وتمكين مختلف المرافق والمؤسسات من نشر المعلومات الموضوعة بحوزتها بطريقة منظمة وسهلة الولوج.
وأوضح أن هناك معطيات مغلقة، في مقابل معلومات مفتوحة يمكن نشرها وإتاحتها للباحثين والمهتمين، شريطة ضمان عدم تعرضها للتحريف. وأشار إلى أن اللجنة تعاملت بجدية مع هذا الموضوع، بالنظر إلى أن القانون لم يكن صريحا بما يكفي بشأن بعض تفاصيله، ما يفرض على اللجنة الاضطلاع بدور في تأطيره وتنظيمه.
وشدد على أن جودة المعلومة وفعالية إتاحتها ترتبطان بجملة من الشروط، من بينها الموثوقية، وسهولة الولوج المرتبطة بالبنية التحتية الرقمية، والانتظام في النشر، بالنظر إلى أن المؤسسات تنتج المعلومات بصورة مستمرة، فضلا عن ضرورة تحيينها حتى تظل دقيقة وذات فائدة.
المادة 10
وتوقف فكاهي عند المادة العاشرة من القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، التي تؤطر النشر الاستباقي، ملاحظا أنها تبدأ بلفظ “يجب”، قبل أن تقرن هذا الإلزام بعبارة “في حدود الإمكان”، مع الدعوة إلى “نشر الحد الأقصى من المعلومات”.
وتقول المادة 10: “يجب على المؤسسات والهيئات المعنية، كل واحدة في حدود اختصاصاتها، أن تقوم في حدود الإمكان، بنشر الحد الأقصى من المعلومات التي في حوزتها والتي لا تندرج ضمن الاستثناءات الواردة في هذا القانون، بواسطة جميع وسائل النشر المتاحة خاصة الإلكترونية منها بما فيها البوابات الوطنية للبيانات العمومية (..)”.
واعتبر المتحدث أن هذه الصياغة تطرح عددا من الإشكالات المرتبطة بمدى الإلزام وبالحدود الفعلية للنشر الاستباقي، مشيرا إلى أن اللجنة تبذل مجهودا كبيرا من أجل تطوير القانون، ولا سيما ما يرتبط منه بتقوية مقتضيات النشر الاستباقي.
وأكد أن القانون رقم 31.13 يكتسي أهمية كبيرة، ويستمد شرعيته مباشرة من الدستور. كما أنه حدد وفصل عددا من المقتضيات المتعلقة بممارسة الحق في الحصول على المعلومات. غير أنه سجل وجود بعض أوجه النقص، وفي مقدمتها غياب المراسيم التطبيقية.
وأوضح أن اللجنة ورئيسها يشتغلان من أجل وضع مراسيم تؤطر تنفيذ القانون، بالنظر إلى أن المستجدات والتفاصيل العملية المرتبطة بممارسته تحتاج إلى تنظيم واضح، بما يضمن توحيد الإجراءات وحسن التطبيق.
الملاءمة التشريعية
وأشار فكاهي إلى أن القانون رقم 31.13 ليس النص الوحيد الذي يتناول الحق في الحصول على المعلومات، إذ توجد قوانين خاصة تتضمن بدورها مقتضيات مرتبطة بهذا الحق.
وقدم مثالا بالقطاع الصحي، حيث توجد نصوص ومقتضيات خاصة تتعلق بالمعلومات، وهو ما يطرح مسألة الملاءمة بين مختلف التشريعات، ويُبرِز دور اللجنة باعتبارها الهيئة المخول لها بموجب قانون ذي خلفية دستورية، مراقبة تطبيق الحق في الحصول على المعلومات على مستوى مختلف القطاعات والمرافق.
وتحدث أيضا عن قانون حديث متعلق بالمقاولات، معتبرا أنه كان من المفترض أن تقدم اللجنة رأيها بشأنه، حتى تكون المقتضيات الجديدة منسجمة مع الإطار العام للحق في الحصول على المعلومات، وحتى لا تؤدي المنازعات المعروضة أمام القضاء إلى تنازع بين مقتضيات القانون الخاص والقواعد العامة، بما قد يعرقل حسن الملاءمة التشريعية.
وأشار في السياق ذاته إلى وجود نصوص أخرى ترتبط بالمعلومة، من بينها قانون حماية المستهلك، والمرسوم المتعلق بالموافقة البيئية، مؤكدا أن تعدد النصوص يفرض التنسيق بينها وتفادي أي تعارض قد يؤثر في ممارسة الحق في الحصول على المعلومات.
في انتظار التعديل
وفيما يتعلق بالأشخاص المخول لهم تقديم طلبات الحصول على المعلومات، أوضح فكاهي أن القانون يثير بعض الإشكالات العملية، من بينها تقديم الطلب بواسطة شخص معنوي أو عن طريق محام ينوب عن الشخص المعني.
وكشف أن اللجنة اعتمدت مداولة تسمح للمحامي بالإنابة عن الشخص المعنوي في تقديم طلب الحصول على المعلومات، وهو ما أسهم في تجاوز هذا الإشكال عمليا، في انتظار تعديل النص القانوني.
واعتبر أن هذا الاجتهاد يمثل تطورا مهما في ممارسة الحق، ويعكس قدرة اللجنة على إيجاد حلول عملية للإشكالات التي قد لا يكون القانون قد عالجها بشكل صريح أو مفصل.
وفي حديثه عن طفرة التحولات الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي، أكد فكاهي أن دور النشر الاستباقي يتعاظم بصورة متواصلة، بالنظر إلى ما توفره الأدوات الرقمية من إمكانات واسعة لنشر المعلومات وإتاحتها بسرعة.
وأوضح أن لائحة ممتدة من المرافق العمومية، بما فيها المرافق القضائية، تنخرط في نشر المعلومات عبر البوابة الوطنية التي تشرف عليها اللجنة، والتي تتميز بكونها آمنة ومفتوحة وسريعة الولوج.
وشدد على أن الأصل هو الإتاحة، وأن المعلومة العمومية ملك للمرتفقين، ولا ينبغي أن تظل حبيسة الإدارات والمؤسسات، ما لم تكن مشمولة بأحد الاستثناءات التي يحددها القانون.
معيقات وتفاوتات
ونبه عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات إلى أن الاستفادة من النشر الاستباقي والخدمات الرقمية تظل مرتبطة بمدى توفر بنية تحتية متكافئة للإنترنت في مختلف مناطق المغرب.
واعتبر أنه من غير المقبول استمرار تفاوتات كبيرة بين المجالات الترابية في جودة الربط بالإنترنت وإمكانات الولوج إلى الوسائل الرقمية، لما لذلك من تأثير مباشر في قدرة المواطنين على الوصول إلى المعلومات والاستفادة من النشر الاستباقي.
وأكد أن التحول الرقمي يجب أن يواكبه عمل فعلي لمحاربة الهشاشة الرقمية، مذكرا بوجود فئات تعاني الأمية الرقمية، إلى جانب المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، الذين قد تواجههم صعوبات في استعمال المنصات الرقمية والوصول إلى المعلومات المنشورة عبرها.
وشدد على أن هذه الصعوبات تحتاج إلى المواكبة من خلال سياسات عمومية متكاملة، لأن القانون على أهميته، لا يكفي وحده لضمان الممارسة الفعلية والمنصفة للحق في الحصول على المعلومات.
وفي هذا السياق، دعا فكاهي إلى إرساء أسس “دولة اجتماعية رقمية”، والعمل على تكوين مواطن رقمي قادر على استعمال الوسائل الحديثة والاستفادة من الخدمات والمعلومات المتاحة، مع ضرورة محاربة التفاوتات الكبيرة المسجلة على مستوى البنية التحتية الرقمية.