بحث

اختر السمة:

رئيس CNDP: “لا لاستيراد التشريعات الجاهزة والقانون يبدأ من القيم المشتركة”

أكد عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، أن التحدي الأساسي في مجال حماية المعطيات لا يتعلق بالمعطيات في حد ذاتها، وإنما بكيفية معالجتها واستخدامها، مشددا على أن الغاية الأولى من المقتضيات القانونية المنظمة لهذا المجال هي حماية المواطن وضمان احترام حقوقه في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة.

وأوضح السغروشني، خلال لقاء نظمته الغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة بالمغرب (CFCIM)، مساء الخميس 22 أكتوبر 2026 بمدينة الدار البيضاء، أن المعطيات ذات الطابع الشخصي كانت تُدار على نطاق محلي محدود، بينما أصبحت اليوم تُعالج وتُتداول على المستوى العالمي، وهو تحول يفرض تطوير القواعد القانونية وتدقيقها دون التخلي عن المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حماية الحياة الخاصة.

واعتبر أن التطور التكنولوجي لا ينبغي أن يحدد وحده قواعد استخدام التكنولوجيا، مستعينا بمثال السيارة التي تستطيع السير بسرعة 250 كيلومترا في الساعة، دون أن يعني ذلك السماح لها بالسير بسرعة 230 كيلومترا أمام مدرسة أو مستشفى. وأبرز أن التمييز بين الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا وكيفية استخدامها يظل ضروريا، على أن يخضع هذا الاستخدام للمصلحة المجتمعية والتوافق حول القيم التي ينبغي احترامها.

السيادة الرقمية

وفي هذا السياق، أشار رئيس اللجنة الوطنية إلى اختلاف المقاربات المجتمعية في التعامل مع التكنولوجيا، مستحضرا نماذج الصين وأوروبا والولايات المتحدة، حيث تختلف القيم والقواعد المنظمة لاستخدام المعطيات ذات الطابع الشخصي، بل قد تتباين التشريعات داخل البلد الواحد، كما هو الحال بين الولايات الأمريكية. واعتبر أن وضع القواعد القانونية يجب أن ينطلق من توافق مجتمعي بشأن القيم المشتركة، وليس من مجرد استيراد المفاهيم والتشريعات من الخارج.

وفي معرض حديثه عن التحول الرقمي، أبرز السغروشني أن الرقمنة أزالت الحدود الجغرافية التقليدية، وأتاحت تبادل الخدمات. غير أن هذا التحول يفرض ضمان ما وصفه بـ “الاستمرارية القانونية”، بحيث تظل جميع مراحل معالجة المعطيات قابلة للفحص والمساءلة في حال تقدم المواطن بشكوى.

وأوضح أن هذه الضرورة تفسر وجود قواعد تنظم نقل المعطيات بين الدول، مشددا على أنه لا يمكن للشركات متعددة الجنسيات الامتناع عن تقديم توضيحات بشأن معالجة المعطيات بدعوى تخزينها في السحابة الإلكترونية، التي قد تُستخدم أحيانا لإخفاء مكان وجود المعطيات وطبيعة العمليات التي تخضع لها.

رقابة بشرية

وتوقف رئيس اللجنة الوطنية عند التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مشيرا إلى أن تطور الأنظمة التكنولوجية أصبح يسمح بإنتاج قرارات خلال ثوان معدودة، وهو ما يستدعي التأكد من ملاءمة المعطيات المستخدمة للفئات المعنية، واحترام المعايير التي تحكم اتخاذ تلك القرارات.

وأكد في هذا الإطار ضرورة استمرار الرقابة البشرية على القرارات الآلية، دون أن يعني ذلك إعادة اتخاذ جميع القرارات يدويا، وإنما ضمان إمكانية مراجعة آليات اتخاذ القرار عند وجود شك أو اعتراض، بما يحفظ حقوق الأشخاص المعنيين.


“الالتزامات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراءات إدارية، بل هي في الأصل مبادئ أخلاقية تُترجم إلى قواعد قانونية وتنظيمية”


وفيما يتعلق بالتزامات المقاولات، أوضح السغروشني أن معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي تقوم أساسا على تحديد الغاية من نجميعها وإخبار الشخص المعني به، مع الالتزام بعدم استخدامها لغايات أخرى. فالمعطيات التي يقدمها الزبون لاقتناء منتج معين لا يجوز نقلها إلى جهة أخرى لاستعمالها في التسويق لمنتجات مختلفة.

وأضاف أن احترام مبدأ التناسب يقتضي الاكتفاء بتجميع المعطيات الضرورية لتحقيق الغاية المحددة، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع اطلاع الأشخاص غير المعنيين عليها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمعطيات حساسة، مثل المعطيات الصحية الموجودة في ملفات التأمين.

وشدد على أن هذه الالتزامات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراءات إدارية، بل هي في الأصل مبادئ أخلاقية تُترجم إلى قواعد قانونية وتنظيمية. كما ميز بين حماية المعطيات والأمن السيبراني، موضحا أن حماية المعطيات ترتبط بالالتزام القانوني تجاه الأشخاص، بينما يتعلق الأمن السيبراني بالتحقق من احترام هذا الالتزام وضمان شروط الحماية.

الامتثال للقانون

إلى ذلك، أكد السغروشني أن المقاولات الفرنسية الراغبة في إنشاء فروع بالمغرب مطالبة باحترام التشريعات المغربية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، حتى وإن كانت ممتثلة للنظام الأوروبي العام لحماية المعطيات (RGPD). وأوضح أن اختلاف الإطارين القانونيين قد يفرض أعباء إضافية على المقاولات، وهو ما يستدعي العمل على تقريب أنظمة الامتثال وتسهيل الإجراءات.

واستعرض في هذا الصدد التطور الذي عرفه النظام الأوروبي العام لحماية المعطيات، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2018، بعد أربعين عاما من إحداث اللجنة الفرنسية للمعلومات والحريات (CNIL) سنة 1978، مبرزا أن من أهم مستجداته اعتماد مبدأ “إمبدأ المساءلة” (Accountability).


” امتثال المقاولة للتشريع الأوروبي لا يعفيها من الخضوع للمراقبة وفق القانون المغربي”


ويقوم هذا المبدأ على إلزام المسؤولين عن معالجة المعطيات بمَسك سجلات داخلية محينة توثق عمليات المعالجة، مع ضمان إمكانية مراقبتها في أي وقت. كما يفرض إجراء دراسات لتقييم الأثر على الحياة الخاصة بالنسبة لبعض عمليات المعالجة، وإحالتها على السلطة المختصة عندما يتعلق الأمر بحالات شديدة الحساسية.

أما في المغرب، فأوضح رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، أن الإطار التشريعي المعتمد منذ سنة 2009 يقوم على نظامين للامتثال، هما التصريح والإذن المسبق. ويتيح التصريح تسجيل عمليات المعالجة بما يجعلها قابلة للمراقبة، دون أن يشكل في حد ذاته ترخيصا، بينما يقوم الإذن المسبق على فلسفة قريبة من دراسات تقييم الأثر المعتمدة في النظام الأوروبي.

وأشار إلى أن امتثال المقاولة للتشريع الأوروبي لا يعفيها من الخضوع للمراقبة وفق القانون المغربي، معتبرا أن تعدد التشريعات يفرض على المقاولات أعباء إضافية من الناحية الاقتصادية، حتى وإن كانت هذه الالتزامات مبررة من الناحية القانونية.

وللتخفيف من هذه الأعباء، أوضح السغروشني أن اللجنة الوطنية تعمل على تسهيل امتثال المقاولات الأجنبية الراغبة في الاستثمار بالمغرب، وفي الوقت نفسه مواكبة المقاولات المغربية التي تسعى إلى تطوير أنشطتها مع أوروبا، من خلال تقليص تكلفة الامتثال وتيسير الإجراءات.

وخلص إلى أن أحد الأهداف الأساسية لهذا العمل يتمثل في تحقيق الاعتراف بملاءمة الإطار المغربي لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (l’adéquation)، بما يسمح باعتبار المغرب بلدا يوفر مستوى ملائما من الحماية، في أفق تسهيل تبادل المعطيات وتعزيز العلاقات الاقتصادية مع الشركاء الأوروبيين.

المقال السابق
من الإدارة إلى كاميرا الجار: من المسؤول عن معطياتك الشخصية؟
المقال التالي
الشفافية رافعة للثقة: بريد المغرب ينضم إلى البوابة الوطنية للحق في المعلومات PNDAI

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :