أكد عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، أن التطورات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي تفرض توسيع نطاق التفكير في حماية المعطيات، ليشمل، إلى جانب صون الحياة الخاصة، الحفاظ على استقلالية الإنسان في التفكير والاختيار، وحماية سيادته وحريته المعرفيتين.
جاء ذلك خلال مشاركته، يوم الجمعة بطنجة، في الجلسة الختامية للدورة الثامنة لمناظرة الجمعية المغربية لمستعملي الأنظمة المعلوماتية (AUSIM)، المنظمة من 7 إلى 9 أكتوبر الجاري، تحت شعار «AIMPOWERING: بالابتكار والذكاء والسيادة»، بحضور ممثلين عن المديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI)، ووكالة التنمية الرقمية (ADD)، و الجمعية المغربية لمستعملي الأنظمة المعلوماتية إلى جانب عدد من الخبراء والفاعلين في المجال الرقمي.
وشكلت هذه الجلسة، التي توجت ثلاثة أيام من النقاشات وتبادل الخبرات، مناسبة لاستحضار التحديات التي تواكب تطور التكنولوجيات الحديثة، والتأكيد على أهمية تضافر جهود المؤسسات والمهنيين من أجل تعزيز الثقة في البيئة الرقمية. كما عكست أهمية التعاون بين مختلف الفاعلين في مقاربة قضايا الحكامة والأمن السيبراني والابتكار والذكاء الاصطناعي.
وفي كلمته بهذه المناسبة، استعرض السغروشني المسار الذي قطعته حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي منذ ظهور أولى المؤسسات المختصة بهذا المجال، أواخر سبعينيات وبداية ثمانينيات القرن الماضي، مبرزا أن طبيعة التحديات المطروحة آنذاك ارتبطت أساسا بقواعد البيانات والملفات المعلوماتية قبل أن تتسع بفعل التحولات المتلاحقة التي شهدتها المنظومة التكنولوجية.


وأوضح أن الانتقال من الأنظمة المعلوماتية التقليدية إلى البيانات الضخمة (BIG DATA) والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وصولا إلى التكنولوجيات الكمية، أحدث تغيرات جوهرية في كيفية إنتاج المعطيات وتخزينها وتحليلها واستعمالها.
أبعاد جديدة
وشدد على أن الهدف من إحداث مؤسسات حماية المعطيات لم يكن تقنياً فحسب، بل انبثق أساساً من اعتبارات مجتمعية وإنسانية تروم حماية المواطنين وحقوقهم وحرياتهم، وهو الهدف الذي يكتسي اليوم أهمية أكبر في ظل اتساع إمكانات جمع المعلومات واستغلالها.
ولإبراز حجم هذه التحولات، استحضر رئيس اللجنة مثال تسجيل دخول المواطنين إلى الإدارات والمؤسسات وخروجهم منها، موضحاً أن هذه الممارسة، التي كانت تبدو اعتيادية في السابق، قد تطرح اليوم إشكالات مرتبطة بالحياة الخاصة، عندما تتيح التقنيات الحديثة تجميع المعلومات المتعلقة بتحركات الأفراد وتحليلها وإعادة تشكيل مساراتهم اليومية.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمنح هذه الإمكانات أبعادا جديدة، بالنظر إلى قدرته على معالجة كميات هائلة من المعطيات بسرعة كبيرة، واستخلاص نتائج يمكن اعتمادها في دعم اتخاذ القرارات.
وفي هذا السياق، أكد على أهمية التحكم في آليات التحليل ومراقبتها، والتحقق من موثوقية المعطيات المستخدمة ومدى احترامها لمبادئ الإنصاف والقيم المؤطرة لاستعمال التكنولوجيا.


وأشار إلى أن التحديات الراهنة تتجاوز حماية الحياة الخاصة للأفراد، لتشمل أيضاً تأثير أدوات التحليل والتنبؤ في التوجهات الجماعية والاختيارات المجتمعية، لاسيما عندما تصبح هذه الأدوات قادرة على استشراف سلوك السكان والتأثير في القرارات التي تخصهم.
واعتبر أن هذه التحولات تستدعي الحفاظ على استقلالية القرار، تفادياً لأن تصبح الخيارات المرتبطة بمستقبل المجتمعات خاضعة لتأثير آليات تكنولوجية لا تتحكم فيها المؤسسات المعنية بصورة كافية.
وفي هذا الصدد، أبرز السغروشني أن حماية الإنسان في العصر الرقمي تستوجب صون استقلاليته المعرفية وسيادته المعرفية وحريته المعرفية، باعتبارها مقومات أساسية لضمان قدرته على التفكير واتخاذ القرارات بصورة مستقلة.
“ تعقيد التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا يسمح لأي طرف ادعاء امتلاك حلول نهائية لها.”
ودعا، من جهة أخرى، إلى تعزيز العمل المشترك بين المؤسسات والفاعلين والخبراء لمواكبة هذه التحولات، مؤكداً أن تعقيد التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا يسمح لأي طرف بادعاء امتلاك حلول نهائية لها.
مجموعة عمل
وكشف، في هذا الإطار، عن تداول مقترح إحداث مجموعة عمل مشتركة مع الجمعية المغربية لمستعملي الأنظمة المعلوماتية AUSIM، تعنى بالتفكير في السبل الكفيلة بحماية الإنسان والحفاظ على تاريخه وخصوصياته الجغرافية ومستقبله في ظل التطورات التكنولوجية.
كما نبه إلى أهمية حماية الذاكرة الجماعية وموثوقية المعرفة في مواجهة انتشار محتويات رقمية تشكك في وقائع تاريخية، مشدداً على ضرورة تعبئة الخبرات والكفاءات لصون المرجعيات المعرفية والإنسانية.
وتندرج مشاركة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في هذه الدورة، بصفتها راعيا مؤسساتياً للملتقى، في إطار انخراطها في النقاشات الرامية إلى تعزيز حماية المعطيات، وترسيخ ثقافة الامتثال، ومواكبة الفاعلين في استحضار متطلبات احترام الحياة الخاصة ضمن المشاريع والمبادرات الرقمية.


واختتمت أشغال الملتقى بمراسم تكريمية شهدت تقديم هدية رمزية إلى رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي من طرف محمد سعد، رئيس AUSIM، وذلك في ختام دورة جمعت مختلف الفاعلين حول رهانات الابتكار والذكاء والسيادة.