منذ تأسيسها، جعلت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصيCNDP من التحسيس بثقافة حماية المعطيات الشخصية خطا استراتيجيا ثابتا في عملها، فاستهدفت على مدى السنوات الماضية شرائح واسعة من المجتمع: المجتمع المدني، والنساء، والأطفال، والشباب، والأطر التربوية، والفاعلين الجمعويين، سعيا إلى بناء وعي جماعي بأهمية الحق في الخصوصية في زمن باتت فيه المعطيات الشخصية تتداول يوميا عبر الهواتف الذكية والتطبيقات والمنصات الرقمية المختلفة.
فمن طنجة إلى الدار البيضاء، مرورا بقلعة السراغنة والقنيطرة وأكادير ومن اللقاءات التحسيسية إلى اتفاقيات الشراكة، ومن النقاش حول الحق في الخصوصية إلى مواكبة إشكاليات الذكاء الاصطناعي، رسمت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي لنفسها موقع قدم راسخ داخل الجامعات والمعاهد العليا المغربية خلال سنة 2026. حيث نسجت اللجنة حضورا مكثفا ومتنوعا داخل الفضاء الجامعي المغربي في محاولة لغرس ثقافة حماية المعطيات الشخصية لدى جيل كامل من الطلبة يعيش يومياته على وقع الرقمنة المتسارعة، ويشكل في الآن ذاته مستقبل الفاعلين في المنظومة الرقمية الوطنية، من أساتذة باحثين وأطر إدارية وقيادات مهنية في مختلف المجالات.
حضور متميز
انطلقت الجولة يوم الجمعة 3 أبريل 2026 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، في لقاء تفاعلي حمل عنوان “المعطيات الشخصية بين الحق في الخصوصية ومتطلبات الرقمنة”، حضره أزيد من 500 طالب وطالبة، وهو رقم يعكس حجم الاهتمام المتنامي لدى الفئة الطلابية بهذا الموضوع.
وخلال هذا اللقاء، اختصر عمر السغروشني، رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، فلسفة القانون رقم 09.08 في “مثلث” من ثلاث زوايا: الزاوية الأولى الشخص المعني أي المواطن، والزاوية الثانية المسؤول عن المعالجة، سواء كان إدارة عمومية أو شركة خاصة أو جمعية أو حزبا سياسيا أو نقابة، والزاوية الثالثة اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، التي تسهر على أن تبقى العلاقة بين الطرفين الأولين محكومة بضوابط القانون.
وأوضح أن هذا القانون يحرص على الحق في الخصوصية والحياة الخاصة، ويلزم احترام المواطن من خلال مواد تحدد حقوق الشخص المعني والتزامات المسؤول عن المعالجة وآليات تدخل اللجنة.


من جهته، أخذ لحسن مادي، عضو اللجنة، الكلمة ليؤكد أن مجال حماية المعطيات الشخصية بالمغرب عرف في الآونة الأخيرة تحولا عميقا، يتزامن مع تطور الرقمنة التي أصبحت معتمدة بشكل لافت في جميع المجتمعات. وحذر من أن الإشكال الحقيقي المطروح اليوم يكمن في الاستعمال المتزايد للمعطيات وما يرافقه من تحديات، أبرزها ضعف معرفة غالبية المواطنين والمواطنات بماهية هذه المعطيات وبطبيعة الأدوار التي تضطلع بها اللجنة، معتبرا أن حماية المعطيات الشخصية تندرج ضمن منظومة الحقوق الأساسية للإنسان والحق في احترام الحياة الخاصة، وهو ما كرسه الدستور المغربي في الفصل 24.
بعد أسبوع واحد فقط، يوم الجمعة 10 أبريل 2026، حطت اللجنة الرحال بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة، في لقاء تحسيسي نظم تحت شعار “ثقافة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في المملكة المغربية: المرجعية القانونية والحلول التقنية”، وجمع أعضاء اللجنة وأطرها ومسؤولين مؤسساتيين وأساتذة باحثين وفاعلين جمعويين.
وسلط هذا اللقاء الضوء على المخاطر المرتبطة بسوء استعمال المعطيات الشخصية، لا سيما انتهاك الحياة الخاصة والجريمة الإلكترونية وانتحال الهوية، في ظل التوسع المتزايد لاستخدام التكنولوجيات الرقمية. واعتبر عمر السغروشني رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، أن هذه المبادرة تندرج ضمن برنامج وطني للتحسيس يروم مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مبرزا أن الإقبال الكبير للطلبة يعكس تناميا في الوعي بأهمية حماية المعطيات الشخصية في ظل الانتشار الواسع لعمليات جمع ومعالجة المعطيات. من جانبه، اعتبر عميد الكلية محمد الغالي أن هذا اللقاء يجسد انفتاح الجامعة على محيطها المؤسساتي، ويساهم في نشر ثقافة حماية المعطيات الشخصية داخل الوسط الجامعي.



وتميز هذا اللقاء بتقديم عرضين علميين: الأول قدمه لحسن مادي عضو اللجنة حول أهمية التحسيس وتكوين الكفاءات في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مشددا على ضرورة إرساء برامج تكوينية منظمة قائمة على أهداف واضحة ومقاربات بيداغوجية فعالة. أما الثاني فقدمه زكرياء أولاد، عضو اللجنة، تحت عنوان “المدينة الذكية كبنية تحتية للمعطيات”، وسلط من خلاله الضوء على الفجوة القائمة بين تسارع التحول الرقمي وتطور الإطار القانوني، مشيرا إلى غياب نصوص قانونية خاصة بهذا المجال، وإلى محدودية إنجاز دراسات الأثر المتعلقة بحماية المعطيات على مستوى الجماعات الترابية.
وواصلت اللجنة مسارها يوم الأربعاء 10 يونيو 2026، حيث احتضنت المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية التابعة لجامعة ابن طفيل بالقنيطرة لقاء تواصليا وتحسيسيا حول موضوع “حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في الوسط الجامعي: الأبعاد والرهانات”، نظم بشراكة مع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بمشاركة مسؤولين جامعيين وأعضاء من اللجنة وأساتذة وطلبة وباحثين.
واستهل عمر السغروشني رئيس اللجنة، مداخلته بالتذكير بسلسلة اللقاءات التواصلية التي نظمتها اللجنة خلال سنة 2026 عبر مختلف جهات المملكة، مشيرا إلى أن محطة القنيطرة تشكل الحلقة الثالثة ضمن هذا المسار، وأن كل لقاء يضيف سؤالا جديدا إلى النقاش العمومي حول المعطيات الشخصية: فقد سأل حضور طنجة عمن يملك هاتفا ذكيا، وسأل حضور قلعة السراغنة عمن يستخدم تطبيق واتساب، فيما اختار في القنيطرة سؤالا مختلفا: “هل من الجيد قيادة سيارة دون رخصة؟”، قبل أن يربط ذلك بضرورة معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وفق الضوابط القانونية المؤطرة لها.


وأكد السغروشني أن حماية المعطيات ليست مجرد قضية تقنية أو قانونية، بل هي رؤية مجتمعية ترتبط بكيفية احترام الأفراد لبعضهم البعض من خلال احترام معطياتهم الشخصية وخصوصيتهم، وبكيفية تصور مغرب الغد في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، مشددا على أن الجميع يتحدث اليوم عن الرقمنة، غير أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تحقق أهدافها دون وجود ثقة رقمية، معتبرا أن القانون ليس سوى ترجمة تقنية لاتفاق مجتمعي حول مجموعة من القواعد التي تنظم الحقوق والواجبات داخل الفضاء الرقمي.
وفي مداخلة بعنوان “أدوار اللجنة الوطنية وتصورها لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في الوسط الجامعي”، انطلق محمد بودن، عضو اللجنة الوطنية، من تساؤل محوري مفاده: “ما هو المكان الذي لا يشمل معطيات ذات طابع شخصي؟”، قبل أن ينتقل من الإطار العام إلى الخاص، مستحضرا المادة الأولى من القانون رقم 08-09 والفصل 24 من الدستور المغربي، ثم المرجعيات الدولية ذات الصلة، وفي مقدمتها الاتفاقية 108، واللائحة العامة الأوروبية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، كما سلط الضوء على اختصاصات اللجنة الوطنية المنصوص عليها في القانون، لا سيما المقتضيات الواردة في المادتين 28 و32، مستعرضا أدوارها في المواكبة والتحسيس والمراقبة.



من جهته، دعا لحسن مادي عضو اللجنة، إلى تكثيف مثل هذه اللقاءات وإدماج موضوع حماية المعطيات الشخصية ضمن البرامج التكوينية للمؤسسات الجامعية، والعمل على التنزيل الفعلي لمقتضيات القانون رقم 08-09 من قبل مختلف الفاعلين داخل الجامعة، من عمداء وأساتذة وطلبة.

الحكامة الرقمية
لم يقف حضور اللجنة الوطنية عند حدود المحاضرات واللقاءات التحسيسية، بل انتقل إلى مستوى أعمق وأكثر التزاما مع جامعة ابن زهر، التي وقعت معها اتفاقية شراكة، مع اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، وذلك في إطار انفتاح الجامعة على محيطها المؤسساتي وتعزيز التزامها بتطوير ممارسات حديثة في مجال الحكامة الرقمية وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وترسيخ مبادئ الشفافية داخل الفضاء الجامعي.
وأكد نبيل حمينة، رئيس جامعة ابن زهر، أن توقيع هذه الاتفاقية مهم للغاية ، موضحا أن الاتفاقية تهدف إلى تحقيق عدة أهداف، أولها الامتثال بمعنى واسع يشمل جميع المؤسسات التابعة للجامعة، وأن هذه الاتفاقيات ستشمل إجمالا 24 مؤسسة موزعة على 5 مناطق.

وفي كلمته بالمناسبة، أكد عمر السغروشني أن جامعة ابن زهر هي أول جامعة تنضم لهذه الاتفاقية، مسجلا: “نريد أن نوجه رسالة واحدة: الاختلافات أمر طبيعي، ولكن يجب معالجتها في إطار مؤسسي”، مضيفا أن الهدف هو تنظيم السلوك في العالم الرقمي، وأن هذا الانضمام يكتسي أهمية خاصة كون الجامعة هي حاملة المعرفة والمسؤولة عن نقلها إلى الأجيال الجديدة.
من جانبه، أبرز زكرياء أولاد، عضو اللجنة، أن جامعة ابن زهر هي أكبر جامعة في المغرب، إذ تغطي 52 بالمائة من التراب الوطني وتضم أكثر من 100 ألف طالب وعشرات المؤسسات، موضحا أن الهدف اليوم مزدوج: تمكين هذه المؤسسة الجامعية من الامتثال للقانون رقم 08-09 ومرافقتها خلال هذه العملية.
وفي سياق مواز يعكس حرص اللجنة على مواكبة القضايا الرقمية المستجدة داخل الجامعات، عقدت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، يوم الأربعاء 11 فبراير 2026، اجتماعا مع ممثلي رؤساء الجامعات والمعاهد العليا حول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي وحماية الفكر المعرفي، بحضور عمر السغروشني رئيس اللجنة، وما يقارب 30 ممثلا للمؤسسات الجامعية والمعاهد العليا، أبرزها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجامعة ابن زهر بأكادير، وجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، وجامعة الأخوين، وجامعة الحسن الأول بسطات، وجامعة محمد الخامس بالرباط، وكلية الحقوق بفاس، وجامعة القاضي عياض بمراكش، وجامعة شعيب الدكالي بالجديدة.
واستمع المجتمعون إلى تشخيص عام قدمه ممثلو الجامعات حول واقع الذكاء الاصطناعي التوليدي والاعتماد المفرط عليه من لدن الطلبة. وتمخض عن هذا الاجتماع وضع مجموعة من الضوابط التي ستساعد في ضبط وتحسين ومواكبة الاستعمال المسؤول والواعي لأنظمة الذكاء الاصطناعي، والتصدي للسرقة الفكرية، والتفكير في وسائل بيداغوجية للتحسيس وللحد من الاعتماد المفرط لأدوات الذكاء الاصطناعي من طرف الطلبة، مع الحث على الجانب الأخلاقي لاستعمال هذه الأدوات، وتأطير استعمالاتها من الجانبين الأساتذة والطلبة معا، فضلا عن الدعوة إلى تحسين استعمالاتها من خلال الممارسات الفضلى لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، من أجل تطوير البحث العلمي عبر الاستعمال الواعي والمسؤول.
لمسة دولية
واختتمت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، حضورها الجامعي لسنة 2026 بلمسة دولية، حين أطرت يوم الجمعة 24 يوليوز 2026 محاضرة تحت عنوان “المعطيات الشخصية أصل ثمين، كيف نحميها؟”، وذلك في إطار الدورة الرابعة للمدرسة الصيفية الدولية التي تنظمها جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء حول موضوع “التحول الرقمي للمجتمع والأخلاقيات”.
وتناولت هذه الدورة أيضا محاور مرتبطة بالمعطيات الشخصية والذكاء الاصطناعي والحكامة والسيادة الرقمية والإدماج والبصمة البيئية للرقمنة، بمشاركة نحو 100 مشارك ومشاركة قدموا من الجامعة المنظمة وجامعات مغربية ودولية أخرى، وهو ما يعكس البعد الدولي الذي بدأ حضور اللجنة الوطنية يكتسيه داخل الأوساط الأكاديمية.

وتضمن برنامج 24 يوليوز 2026 عدة مداخلات علمية، من بينها مداخلة لإيمانويل جيلش، وكيل براءات اختراع سويسري وأوروبي، حول الذكاء الاصطناعي ومنظومة الابتكار، تناول من خلالها فهم المشهد المرتبط بالملكية الفكرية ومخاطرها وفرصها.
كما قدم محمد البكري، مسؤول قطب باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، مداخلة حول الذكاء الاصطناعي والبحث في مجال الصحة والمخاطر الواجب معرفتها وتقييمها قبل اعتماده في الممارسة الطبية، وهو الموضوع نفسه الذي تناوله الدكتور بوعطان المصطفى من المستشفى الجامعي مونفور، في مداخلة ثانية أكدت على حساسية استعمال الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية كالصحة.
. وتؤكد هذه المحطات مجتمعة أن اللجنة، وفية لنهجها في استهداف جميع فئات وشرائح المجتمع، وجدت في الجامعة، بوصفها حاملة للمعرفة ومسؤولة عن تكوين الأجيال الجديدة، شريكا استراتيجيا أساسيا في رهانها على بناء ثقة رقمية حقيقية داخل المجتمع المغربي، وعلى تحويل الطالب الجامعي من مجرد متلق لمعلومة قانونية إلى فاعل واع ومسؤول في الفضاء الرقمي.