بحث

اختر السمة:

وفاء القصري تستعرِض: “تدبير المعلومات في ضوء القانون 31.13 من الحصول على المعلومات”

وفاء القصري، ممثلة عن مؤسسة أرشيف المغرب بلجنة الحق في الحصول على المعلومات

لعل من أبرز التحديات التي تواجه هيئات ومؤسسات الدولة كيفية التعامل مع الفيض الهائل من المعلومات التي تنتجها أو تتسلمها في إطار ممارستها لمهامها، في كافة أشكالها وصورها. خاصة في ظل الثورة التقنية الهائلة التي نشهدها في الوقت الراهن، الذي يتسم كذلك ب:

  • زيادة الوعي بأهمية المعلومات واعتبارها موردا استراتيجيا لا يقل أهمية عن الموارد الطبيعية الأخرى؛
  • اعتماد الهيئات والمؤسسات اعتمادا كليا على المعلومات؛ إذ تحتاج هذه الأخيرة إلى المعلومات لاتخاذ القرارات، وكلما كانت المعلومات المناسبة متاحة في الوقت المناسب، كانت القرارات المتخذة أكثر دقة وفاعلية؛
  • تنامي أهمية المعلومات بالنسبة للأفراد سواء لإثبات حقوقهم، كإثبات هويتهم وجنسيتهم، من خلال المعلومات التي بحوزة الهيئات والمؤسسات، أو لتتبع ولمراقبة أداء هذه الأخيرة في إطار ممارستهم لحقهم في الحصول على المعلومات، الذي يعد من الحقوق والحريات الأساسية التي نص عليها دستور المملكة لسنة 2011، ولاسيما الفصل 27 منه، الذي ينص على ضرورة توفير المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، للمواطنات والمواطنين، وذلك بهدف إشراكهم في الحياة العامة، لا سيما في إعداد السياسات العمومية وتتبعها وتقييمها.

وعليه، لا يقتصر الحق في الحصول على المعلومات على كونه ضمانة لحماية حقوق الأفراد، بل يشكل أيضًا ركيزة أساسية لإصلاح الإدارة وتعزيز الشفافية والحكامة الجيدة، بما يسهم في الرفع من كفاءة المؤسسات والهيئات العمومية وفعاليتها، وترسيخ ثقافة الانفتاح والقطع مع ممارسات التكتم والسرية. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا من خلال ضمان توفير المعلومات وتيسير الولوج إليها.

إلا إن تكريس الشفافية لا يتحقق فقط بسن قوانين تؤطر الحق في الحصول على المعلومات، بل يحتاج أيضا إلى إرساء منظومة متكاملة لتدبير المعلومات، تشمل تنظيمها وتصنيفها وحفظها وإتاحتها للاطلاع وفقا لإجراءات والمساطر المحددة في القانون رقم 31.13.

تدبير المعلومات: تعريفه وأهميته

يقصد بتدبير المعلومات مجموع العمليات والإجراءات التي يتوجب اتباعها من أجل جمع المعلومات وتنظيمها وحفظها وإتاحتها للاطلاع في الوقت المناسب وبالصيغة الملائمة. ولا يقتصر تدبير المعلومات على الجوانب التقنية المرتبطة بالأرشفة، بل يشمل أيضا أبعادا تنظيمية تتعلق بتحديد المسؤوليات وتوزيع الأدوار، وأبعادا ثقافية تقوم على ترسيخ قيم الانفتاح والشفافية.


” يَبرٌز تدبير المعلومات باعتباره أحد الركائز الأساسية لضمان التطبيق السليم لمقتضيات القانون رقم 31.13 وتحقيق أهدافه.”

—وفاء القصري

يهدف تدبير المعلومات إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، لاسيما:

  • تعزيز الشفافية وذلك من خلال تيسير نشر المعلومات وإتاحتها وتمكين المواطنات والمواطنين من الحصول عليها، والحد من الغموض الذي قد يكتنف تدبير الشأن العام؛
  • تعزيز النزاهة من خلال ضمان تنظيم المعلومات وحفظها وإتاحتها، بما ييسر تتبع النشاط الإداري ومراقبته؛
  • تحسين جودة الخدمات العمومية من خلال تسريع الاستجابة لطلبات المرتفقين وتقليص آجال المعالجة؛
  • دعم اتخاذ القرار من خلال توفير المعلومة الموثوقة والمنظمة بحيث تشكل قاعدة أساسية لبناء سياسات عمومية أكثر فعالية واستجابة للاحتياجات؛
  • تكريس المساءلة من خلال إتاحة المعلومات اللازمة من أجل تتبع أداء المؤسسات والهيئات العمومية وتقييمه.

يقوم تدبير المعلومات على مجموعة من العمليات والإجراءات المترابطة، أبرزها: إعداد أدوات للتصنيف والترميز والحفظ تسمح بتحديد طبيعة كل وثيقة وتصنيفها إلى معلومات قابلة للإتاحة أو خاضعة لاستثناءات، والاستدلال عليها، تقوم بإعدادها وتدبيرها واستخدامها موارد بشرية مؤهلة وقادرة على تحديد ما يجب نشره بطريقة استباقية وتلقائية وما يخضع لاستثناءات المنصوص عليها قانوناً (المادة 7 من القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات).

وتستند هذه الإجراءات إلى عدد من المقتضيات القانونية التي تولي أهمية خاصة لتدبير المعلومات باعتباره أحد المقومات الأساسية لتيسير الحصول عليها وضمان إتاحتها، لاسيما المواد 11 و12 من القانون رقم 31.13 التي تنص على ضرورة:

  • اتخاذ التدابير الكفيلة بتدبير المعلومات وتحيينها وترتيبها وحفظها وفق المعايير المعتمدة في هذا المجال (المادة 11)؛
  • وضع رهن إشارة كل شخص مكلف بتلقي طلبات الحق في الحصول على المعلومات قاعدة للمعلومات الموجودة في حوزة المؤسسة التي يشتغل بها قصد تمكينه من القيام بمهامه (المادة 12).

وتأسيسا على ما سبق، يبرز تدبير المعلومات باعتباره أحد الركائز الأساسية لضمان التطبيق السليم لمقتضيات القانون رقم 31.13 وتحقيق أهدافه.

من التدبير إلى الإتاحة

لا يقتصر ضمان تفعيل الحق في الحصول على المعلومات على وجود إطار قانوني ينظمه، بل يرتبط بشكل وثيق بمدى فعالية منظومة تدبير المعلومات، فكلما كانت المعلومات مصنفة ومرتبة ومحفوظة وفق قواعد واضحة، كان الاستدلال عليها سهلا وسريعا داخل الآجال المنصوص عليها قانونا.

هي تلك المعلومات التي تنتجها أو تتوصل بها، في إطار مهام المرفق العام، الإدارات العمومية والمحاكم ومجلس النواب ومجلس المستشارين والجماعات الترابية والمؤسسات العمومية وكل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام وكل هيئة أخرى عامة أو خاصة مكلفة بمهام المرفق العام.

وتجدر الإشارة إلا أن تدبير المعلومات وإتاحتها للعموم لا يعني أن جميع المعلومات الموجودة بحوزة المؤسسات قابلة للاطلاع دون قيد، فالحق في الحصول على المعلومات يأخذ بعين الاعتبار كل ما يتعلق بالمصالح العامة بالدفاع الوطني، وحماية أمن الدولة الداخلي والخارجي، والحياة الخاصة للأفراد وحماية الحريات والحقوق المنصوص عليها في دستور المملكة لسنة 2011، وحماية مصادر المعلومات والمجالات التي حددها القانون رقم 31.13.

وبالتالي، تنقسم المعلومات العمومية إلى:

  • معلومات عمومية ذات طابع عام

تقدم هذه المعلومات بناء على طلب وفقا للإجراءات والشروط التي يحددها القانون رقم 31.13، أو تنشر في حدود الإمكان، بواسطة جميع وسائل النشر المتاحة خاصة الإلكترونية منها بما فيها البوابات الوطنية للبيانات العمومية، ولا سيما المعلومات المتعلقة بما يلي:

  • “الاتفاقيات التي تم الشروع في مسطرة الانضمام إليها أو المصادقة عليها؛
    • النصوص التشريعية والتنظيمية؛
    • مشاريع القوانين؛
    • مشاريع قوانين المالية والوثائق المرفقة بها؛
    • مقترحات القوانين التي يتقدم بها أعضاء البرلمان؛
    • ميزانيات الجماعات الترابية، والقوائم المحاسبية والمالية المتعلقة بتسيير هذه الجماعات وبوضعيتها المالية؛
    • مهام الهيئة المعنية وهياكلها الإدارية، والمعلومات الضرورية من أجل الاتصال بها؛
    • الأنظمة والمساطر والدوريات والدلائل التي يستخدمها موظفو الهيئة أو مستخدموها في أداء مهامهم؛
    • قائمة الخدمات التي تقدمها الهيئة للمرتفقين بما فيها الخدمات الإلكترونية وكذا الوثائق الإدارية المتوفرة إلكترونيا والمرتبطة بالخدمات التي تسديها الهيئة المعنية، على غرار المطبوعات الإدارية؛
    • حقوق وواجبات المرتفق تجاه الهيئة المعنية، وطرق التظلم المتاحة له؛
    • شروط منح التراخيص والأذونات وشروط منح رخص الاستغلال؛
    • البرامج التوقعية للصفقات العمومية ونتائجها إذا تم إنجازها؛
    • برامج مباريات التوظيف والامتحانات المهنية، والإعلانات الخاصة بنتائجها؛
    • الإعلانات الخاصة بفتح باب الترشيح لشغل المناصب العليا ونتائجها؛
    • التقارير والبرامج والبلاغات والدراسات المتوفرة لدى الهيئة؛
    • الإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية؛
    • المعلومات التي تضمن التنافس الحر والنزيه والمشروع”.
  • معلومات تدخل في إطار الاستثناءات

هي تلك المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني وبأمن الدولة الداخلي والخارجي، وتلك المتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد أو التي تكتسي طابع معطيات شخصية، والمعلومات التي من شأن الكشف عنها المس بـالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور

“يُشكّل القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات محطة أساسية في مسار ترسيخ الشفافية والانفتاح الإداري بالمغرب“

وتستثنى كذلك من الحق في الحصول على المعلومات، المعلومات التي يؤدي الكشف عنها إلى إلحاق ضرر بــما يلي:

  • “العلاقات مع دولة أخرى أو منظمة دولية حكومية؛
  • السياسة النقدية أو الاقتصادية أو المالية للدولة؛
  • حقوق الملكية الصناعية، أو حقوق المؤلف أو الحقوق المجاورة؛
  • حقوق ومصالح الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين، فيما يخص جرائم الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها المشمولة بالقانون رقم 37.10 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية.

المعلومات التي من شأن الكشف عنها الإخلال بـ:

  • سرية مداولات المجلس الوزاري ومجلس الحكومة؛
  • سرية الأبحاث والتحريات الإدارية، ما لم تأذن بذلك السلطات الإدارية المختصة؛
  • سير المساطر القضائية والمساطر التمهيدية المتعلقة بها، ما لم تأذن بذلك السلطات القضائية المختصة؛
  • مبادئ المنافسة الحرة والمشروعة والنزيهة وكذا المبادرة الخاصة؛
  • حماية مصادر المعلومات”.

وبالتالي، تصنف المعلومات العمومية ذات طابع عام إلى:

  • معلومات قابلة للاطلاع إذا كانت لا تدخل في إطار الاستثناءات المنصوص عليها في المادة 7 من القانون رقم 31.13؛
  • معلومات غير قابلة للاطلاع إذا كانت تدخل في إطار الاستثناءات، مع مراعاة الآجال المنصوص عليها في المادتين 16 و17 من القانون رقم 69.99؛
  • معلومات قابلة للاطلاع جزئيا إذا كانت تحتوي على معلومات عامة وأخرى تدخل في إطار الاستثناءات، وفي هذه الحالة يقوم المكلف بتلقي طلبات الحق في الحصول على المعلومات ومعالجتها بحجب المعلومات غير القابلة للاطلاع.

وعليه، يشكل القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات محطة أساسية في مسار ترسيخ الشفافية والانفتاح الإداري بالمغرب، بوصفه ترجمة لالتزام دستوري نص عليه الفصل 27 من دستور 2011، وأداة لتعزيز الثقة بين مؤسسات وهيئات الدولة والمواطن.

غير أن الفعالية الكاملة لهذا الحق تظل مرتبطة بقدرة المؤسسات والهيئات على إرساء أنظمة متكاملة لتدبير المعلومات، ترتكز أساسا على تصنيفها، ومعالجتها وحفظها ورقمنتها وفق أسس علمية ومنهجية، تقوم بها موارد بشرية مؤهلة ومختصة.

المقال السابق
بقلم خالد اليعقوبي : “الحق في إتاحة المعلومات من أجل توازن موضوعي بين مشروعية الشفافية ومشروعية حماية الأسرار”
المقال التالي
حصيلة: CNDP تُوسّع نطاق حضورها التحسيسي بالجامعات والمعاهد العليا لبناء مشترك للثقة الرقمية

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :