بحث

اختر السمة:

المسؤولة القانونية بـ CNDP:”الابتكار التكنولوجي المسؤول يوازن بين التطور التقني واحترام الحقوق والحريات”

أكدت فايزة بركشي، المسؤولة عن الشؤون القانونية باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصيCNDP، أن حماية المعطيات الشخصية أصبحت اليوم إحدى الركائز الأساسية لتطوير مشاريع الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول ومستدام، مشددة على أن الابتكار التكنولوجي لا يمكن أن ينفصل عن احترام الحقوق الأساسية للأفراد وضمان حماية حياتهم الخاصة.

وجاءت مداخلة بركشي خلال لفعاليات “رالي الذكاء الاصطناعي- مختبر المستقبل 2026 (RallyIA Future Lab)“، المنظم ما بين 16 و20 يونيو 2026 بمرزوكة، حيث سلطت الضوء على الإطار القانوني المنظم لمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي وعلاقته المتزايدة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي أصبحت حاضرة بقوة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية.

وأوضحت أن اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تُعد الهيئة المكلفة بالسهر على احترام قواعد حماية المعطيات الشخصية بالمغرب، أُحدثت بموجب القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي. وأبرزت أن هذا القانون لا يقتصر على تنظيم وسائل أو تقنيات محددة، بل يؤطر مختلف عمليات معالجة المعطيات الشخصية، سواء تمت بشكل يدوي أو عبر أنظمة تعتمد على التقنيات الحديثة.

وفي هذا السياق، أكدت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تقوم بجمع المعطيات الشخصية أو تحليلها أو تصنيفها أو التنبؤ انطلاقا منها أو إصدار توصيات اعتمادا عليها، تدخل بشكل مباشر ضمن نطاق تطبيق القانون رقم 09.08، باعتبار أن جوهر عملها يقوم على معالجة المعطيات. وأضافت أن اختصاص اللجنة الوطنية لا ينصب على الذكاء الاصطناعي باعتباره تكنولوجيا مستقلة، وإنما على كيفية استخدام المعطيات الشخصية داخل هذه الأنظمة، خاصة أن بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تطرح مخاطر أكبر من تلك المرتبطة بالمعالجات التقليدية للمعطيات.

غاية واضحة

وأشارت إلى أن التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يرتكز أساسا على الاستغلال المكثف للمعطيات وتحليلها بعمق من أجل إنتاج قرارات أو توصيات مؤتمتة، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة وقائية لحماية الحياة الخاصة منذ المراحل الأولى لتطوير المشاريع. حيث شددت على أهمية مبدأ “حماية الحياة الخاصة منذ التصميم” (Privacy by Design)، الذي يقوم على إدماج متطلبات حماية المعطيات في مختلف مراحل تصميم الأنظمة الرقمية وتطويرها، بما يضمن حماية الأشخاص المعنيين بشكل استباقي وليس بعد ظهور المخاطر.

وفيما يتعلق بإدماج حماية المعطيات منذ مرحلة التصميم، أوضحت بركشي أن هذا الأمر لا ينبغي أن يُنظر إليه كمرحلة نهائية تسبق إطلاق المشروع، بل كخيار استراتيجي يواكب جميع مراحل التطوير، بدءا من اختيار المعطيات والنماذج الرقمية والخدمات السحابية، وصولا إلى تحديد مستويات الولوج إلى المعطيات ومدد الاحتفاظ بها والتدابير الأمنية المعتمدة. كما أكدت أن مسؤولية حماية المعطيات لا تقتصر على الجوانب التقنية، بل تتطلب انخراط الإدارة العليا للمؤسسات باعتبارها جزءا من استراتيجية المشروع ومنظومة الثقة المرتبطة به.

وفي معرض حديثها عن القواعد الأساسية الواجب احترامها عند استخدام المعطيات الشخصية في مشاريع الذكاء الاصطناعي، شددت على ضرورة تحديد غاية واضحة ومشروعة من جمع المعطيات ومعالجتها، بحيث يكون المستخدم على علم بطبيعة المعطيات التي يتم جمعها وأسباب استخدامها والأهداف المرجوة منها. وأبرزت أن أي استخدام لاحق للمعطيات خارج الأهداف المعلن عنها مسبقا يطرح إشكالات قانونية وأخلاقية تتطلب التأطير والشفافية.

مبدأ التناسب

كما توقفت عند مبدأ التناسب، الذي يقتضي الاكتفاء بجمع المعطيات الضرورية فقط لتحقيق الغرض المحدد، معتبرة أن تقليص حجم المعطيات المجمعة يساهم في الحد من المخاطر المرتبطة بالأفراد والمؤسسات على حد سواء. وأضافت أن العديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤدي وظائفها دون الحاجة إلى جمع معطيات تعريفية أو معلومات حساسة، وهو ما يستوجب اعتماد مقاربة قائمة على الحد الأدنى من المعطيات.

وفي السياق ذاته، شددت على أهمية الحق في الإعلام والإخبار باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، موضحة أن الثقة تبدأ من الشفافية. ولذلك ينبغي إخبار الأشخاص المعنيين بكيفية استخدام معطياتهم، والجهات التي ستتعامل معها، والمدة الزمنية للاحتفاظ بها، وكذا الجهات التي قد يتم نقلها إليها عند الاقتضاء. وأكدت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تعمل في بيئة تفتقر إلى الوضوح والشفافية قد تتحول إلى مصدر لمخاطر قانونية وتقنية وتمس بصورة المؤسسات ومصداقيتها.

المقاربة السليمة

واعتبرت أن المقاربة السليمة لا تتمثل في الحد من الابتكار أو عرقلة التطور التكنولوجي، وإنما في بناء ابتكار مسؤول يوازن بين التطور التقني واحترام الحقوق والحريات. وأشارت إلى أن الشركات الناشئة التي تدمج حماية المعطيات منذ البداية تستفيد من مزايا متعددة، من بينها تعزيز ثقة المستخدمين والمستثمرين والزبناء، وتفادي التكاليف المرتبطة بتصحيح الاختلالات بعد إطلاق المشاريع.

وخلصت المسؤولة عن الشؤون القانونية باللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي إلى أن حماية المعطيات ليست مجرد التزام قانوني أو إجراء تنظيمي إضافي، بل تمثل شرطا أساسيا لبناء الثقة والمصداقية وضمان استدامة مشاريع الذكاء الاصطناعي. وأضافت أن الذكاء الاصطناعي المسؤول لا يُقاس فقط بمدى تطوره التقني أو قدرته على تحقيق الأداء المطلوب، وإنما أيضا بقدرته على احترام الأشخاص وحماية بياناتهم وضمان بقاء القرار النهائي تحت الإشراف البشري، بما يحقق التوازن بين الابتكار التكنولوجي وصون الحقوق الأساسية للأفراد.

المقال السابق
الرباط تستقبل الهيئات الإفريقية المكلفة بالحق في الحصول على المعلومات (ANIC) في ندوة تسلط الضوء على المعلومة العمومية
المقال التالي
الحق في الحصول على المعلومات: لمن يفتح القانون 31.13 أبوابه؟

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :