بحث

اختر السمة:

لحسن مادي:” حماية المعطيات الشخصية ليست مجرد نصوص قانونية بل هي مسألة وعي مجتمعي ومسؤولية جماعية”

أكد عضو اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، لحسن مادي أن حماية المعطيات الشخصية لم تعد مجرد مسألة تقنية أو قانونية بل أضحت رهانا مجتمعيا يرتبط بصون كرامة الإنسان وهويته داخل الفضاء الرقمي، في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

جاء ذلك خلال تأطيره لندوة نٌظمت يوم السبت 09 من ماي 2026  حول موضوع “حماية المعطيات الشخصية في عصر الرقمنة“، احتضنتها قاعة فاطمة الفهرية وذلك على هامش فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب المنظم بالرباط.

وشدّد المتدخل التأكيد على أن حماية المعطيات الشخصية لم تعد مسألة تقنية مرتبطة فقط بالتطور الرقمي، بل أصبحت رهانا حقوقيا ومجتمعيا يمس كرامة الإنسان وحياته الخاصة مشيرا إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع وما يرافقه من توسع للذكاء الاصطناعي يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الإنسان وحدود التحكم في معطياته الخاصة.

حقوق أساسية

وأشار عضو اللجنة إلى أن حماية المعطيات الشخصية تندرج ضمن منظومة الحقوق الأساسية للإنسان، باعتبارها مرتبطة بشكل مباشر بصون الحياة الخاصة وحماية كرامة الأفراد داخل المجتمع. وأوضح أن أي استعمال غير مشروع للمعطيات الشخصية، أو أي تلاعب بها خارج الإطار القانوني، يشكل مسا بحقوق الإنسان وبهويته الفردية.

مُشيراً إلى أن المواثيق الدولية، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948 إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كرست الحق في حماية الحياة الخاصة وعدم التعرض التعسفي للمعطيات الشخصية، قبل أن يؤكد دستور المملكة لسنة 2011 هذا التوجه من خلال التنصيص على حماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي.

وفي هذا السياق، أبرز أن القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي جاء لترجمة هذه الضمانات على المستوى الوطني، كما أحدث اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي باعتبارها هيئة مستقلة تسهر على احترام مقتضيات القانون وتتبع تنزيلها ومواكبة مختلف الفاعلين المعنيين بها.

وأوضح أن اللجنة تتكون من رئيس يعينه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، إلى جانب أعضاء يتم تعيينهم من طرف رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان، فضلا عن أعضاء معينين من طرف جلالة الملك، بما يكرس الطابع المؤسساتي والاستقلالي للجنة في ممارسة مهامها المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية على امتداد التراب الوطني.

أغراض غير مشروعة

وسجل أن المعطيات الشخصية أصبحت اليوم من أهم الموارد غير المادية داخل العالم الرقمي، إلى درجة أن بعض الجهات باتت تستغلها لتحقيق منافع خاصة أو لأغراض غير مشروعة، مستحضرا بعض الممارسات المرتبطة بجمع نسخ بطائق التعريف الوطنية أو المعطيات البنكية تحت ذرائع مختلفة دون معرفة مصيرها أو كيفية استعمالها لاحقا.

ولفت مادي إلى أن الإشكال القائم اليوم لا يرتبط فقط بتزايد استعمال المعطيات، بل أيضا بضعف الثقافة القانونية والوعي المجتمعي المرتبط بحمايتها.

وأضاف أن عددا من المؤسسات والجمعيات والفضاءات المهنية والتعليمية تتوفر على معطيات شخصية تخص المواطنين دون امتلاك آليات كافية لتأمينها، مشيرا إلى أن الجمعيات تتوفر على لوائح المنخرطين، والجامعات تحتفظ بمعطيات الطلبة، كما تتوفر المؤسسات الصحية على معطيات حساسة تخص المرضى مٌؤكدا في الوقت ذاته على أن حماية هذه المعطيات تمثل مسؤولية جماعية، سواء بالنسبة للأفراد أو المؤسسات أو مختلف الهيئات التي تعالج معلومات تخٌص المواطنين.

تعزيز الوعي

ودعا عضو اللجنة الوطنية إلى اعتماد مقاربة تقوم على المسؤولية الفردية والجماعية، موضحا أن الفرد مطالب بعدم منح معطياته إلا لجهات موثوق بها، فيما يتعين على المؤسسات التقيد بالإجراءات القانونية والحصول على الموافقات الضرورية المرتبطة بمعالجة المعطيات الشخصية.

ولتقريب الفكرة، استحضر مثال حزام السلامة داخل السيارات، معتبرا أن احترامه لم يكن في البداية سوى سلوك اختياري قبل أن يتحول، بفعل الوعي والقانون، إلى ثقافة مجتمعية راسخة، وهو ما ينبغي أن يتحقق أيضا في مجال حماية المعطيات الشخصية.

وأشار، في هذا الصدد، إلى أن اللجنة الوطنية وقعت منذ مطلع السنة الجارية أزيد من 50 اتفاقية شراكة مع عدد من القطاعات الحكومية ومكونات المجتمع المدني، في إطار تعزيز الوعي بثقافة حماية المعطيات الشخصية.

وشهدت الندوة تفاعلا واسعا من طرف الحاضرين، حيث طرح محامون وأطباء ومهندسون وخبراء قانونيون عددا من الإشكالات المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية، خاصة ما يتعلق بحدود استعمال المعطيات الحساسة، ومسؤولية المؤسسات في تأمينها، وآليات الحماية القانونية في ظل التطور المتسارع للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وفي معرض جوابه، كشف مادي أن اللجنة الوطنية تعمل على توسيع دائرة الوعي المجتمعي بثقافة حماية المعطيات الشخصية، مبرزا في ختام مداخلته أن حماية المعطيات الشخصية لا يمكن أن تتحقق فقط عبر النصوص القانونية، بل تحتاج إلى وعي جماعي يجعل احترام الحياة الخاصة جزءا من الثقافة اليومية داخل المجتمع.

المقال السابق
الائتلاف المدني من أجل الجبل ينخرط في ترسيخ ثقافة حماية المعطيات الشخصية والحق في الحصول على المعلومات
المقال التالي
ندوة علمية من تنظيم CNDP تسلط الضوء على تأمين المعطيات الجينومية و تقدم 17 توصية لتأطير استعمالاتها

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :