بحث

اختر السمة:

مصطفى الناوي: “الإدارة ليست مالكة للمعلومة العمومية وحان وقت الانتقال من ثقافة السرية إلى الانفتاح”

أكد مصطفى الناوي، عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، أن ترسيخ هذا الحق يظل رهينا بمدى وعي المواطنين بأهميته وإلمامهم بمقتضياته القانونية وآليات ممارسته، معتبرا أن الحق في الحصول على المعلومات لا يمثل مجرد ضمانة دستورية، بل يشكل أداة أساسية لتعزيز شفافية المرفق العام وتكريس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

وأوضح الناوي، خلال مداخلة ضمن لقاء تواصلي نظمته لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، السبت 17 أكتوبر 2026، بكلية العلوم القانونية والسياسية التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن دستور 2011 شكل محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالحق في الحصول على المعلومات بالمغرب، من خلال تخصيص الفصل 27 لضمانه.

وشدد المتحدث على أن الاعتراف القانوني بهذا الحق، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان ممارسته الفعلية، ما لم يواكبه تحول في الثقافة الإدارية، وانتقال من منطق التحفظ في التعامل مع المعلومات إلى تكريس مبدأ الإتاحة، مع احترام الاستثناءات التي ينص عليها القانون.


“الإدارة ليست مالكة للمعلومة العمومية بقدر ما هي مؤتمنة على تنظيمها وحفظها وتدبيرها وإتاحتها وفق القانون”


وفي حديثه عن العلاقة بين الحق في الحصول على المعلومات وشفافية المرفق العام، أبرز الناوي أن المعلومات والوثائق التي تنتجها الإدارات العمومية أو تحصل عليها أو تحتفظ بها في إطار ممارسة اختصاصاتها ترتبط، من حيث المبدأ، بالمصلحة العامة، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها ملكية حصرية للإدارة.

واعتبر أن الإدارة ليست مالكة للمعلومة العمومية بقدر ما هي مؤتمنة على تنظيمها وحفظها وتدبيرها وإتاحتها وفق القانون، بما يضمن توظيفها في خدمة الصالح العام، ويسهم في تعزيز العلاقة بين المؤسسات والمواطنين.

وأشار عضو اللجنة إلى أن المرفق العام، باعتباره أداة لتلبية الحاجيات الجماعية وضمان استمرارية الخدمات ذات المنفعة العامة، ينتج معلومات ووثائق تشكل أساسا لاتخاذ القرارات الإدارية وتدبير الموارد العمومية وتتبع البرامج والسياسات العامة وتقييم نتائجها.

ومن هذا المنطلق، فإن تمكين المواطنين من الاطلاع على المعلومات المتصلة بتدبير الشأن العام من شأنه تعزيز الشفافية، وتوسيع إمكانات المشاركة المجتمعية، وتقوية الثقة في المؤسسات.

ولفت الناوي إلى أن الدستور المغربي لم يقتصر على إقرار الحق في الحصول على المعلومات، بل عزز مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة من خلال الفصلين 154 و155، اللذين يؤكدان خضوع المرافق العمومية لمبادئ الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، والتزام أعوانها باحترام القانون والحياد والنزاهة والمصلحة العامة.

كما توقف عند القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، الذي صدر سنة 2018، معتبرا أنه شكل امتدادا تشريعيا للتوجه الدستوري، من خلال تحديد الجهات المعنية بإتاحة المعلومات، وإجراءات تقديم الطلبات، فضلا عن إقرار مبدأ النشر الاستباقي للمعلومات.

الاستثناءات القانونية

وفي مقابل التأكيد على أهمية إتاحة المعلومات، أوضح الناوي أن الحق في الحصول عليها ليس مطلقا، إذ يخضع لقيود واستثناءات قانونية تروم حماية حقوق ومصالح مشروعة، من بينها الأمن الداخلي والخارجي للدولة، والدفاع الوطني، والحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، وسرية الأبحاث والتحقيقات القضائية، فضلا عن بعض الوثائق الخاضعة لأنظمة قانونية خاصة.

واعتبر أن الإشكال لا يرتبط بوجود الاستثناءات في حد ذاتها، وإنما بمدى وضوح صياغتها القانونية، وحدود نطاقها، وكيفية تفسيرها وتطبيقها، محذرا من أن التوسع في تأويلها قد يؤدي إلى تقييد الحق في الحصول على المعلومات والحد من فعاليته.


” الانتقال من ثقافة السرية إلى ثقافة الانفتاح يقتضي تجاوز الممارسات الإدارية التي لا تزال تتعامل مع المعلومات بمنطق التحفظ”


وأكد أن تقييم انفتاح المنظومة القانونية لا يتوقف فقط على الاعتراف بهذا الحق، بل يشمل أيضا مدى وضوح الاستثناءات، وتوفر ضمانات الطعن في قرارات رفض طلبات الحصول على المعلومات، ووجود آليات رقابية فعالة ومستقلة.

وفي هذا السياق، أبرز أن الانتقال من ثقافة السرية إلى ثقافة الانفتاح يقتضي تجاوز الممارسات الإدارية التي لا تزال تتعامل مع المعلومات بمنطق التحفظ، مشيرا إلى أن فعالية النصوص القانونية تظل مرتبطة بمدى انعكاسها على الممارسة اليومية للإدارة وعلاقتها بالمرتفقين.

ممارسة فعلية

وربط الناوي بين الحق في الحصول على المعلومات ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، موضحا أن تقييم أداء المسؤولين العموميين والمؤسسات المكلفة بتدبير الشأن العام يستلزم الاطلاع على القرارات المتخذة، والموارد المرصودة، والأهداف المعلنة، والنتائج المحققة.

واعتبر أن إتاحة المعلومات توفر الأساس الضروري لممارسة الرقابة والمساءلة، سواء على المستوى المؤسساتي أو القضائي أو المجتمعي، كما تسهم في الحد من الغموض الذي قد يحيط ببعض القرارات والمعاملات الإدارية، بما يعزز الوقاية من الفساد.

وأضاف أن دور هذا الحق لا يقتصر على تمكين المواطنين من مراقبة العمل العمومي، بل يمتد إلى تحسين جودة الخدمات المقدمة، والرفع من نجاعة الإدارة وفعاليتها، وتطوير تواصلها مع المرتفقين.

وخلص عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل هذا الحق من ضمانة دستورية وتشريعية إلى ممارسة فعلية تنعكس على شفافية المرفق العام وجودة الخدمات العمومية وثقة المواطنين في الإدارة، وهو ما يستدعي تضافر الجهود القانونية والمؤسساتية والتدبيرية، إلى جانب تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المعلومة العمومية وسبل الحصول عليها.

المقال السابق
السغروشني من فاس: “الأبواب مفتوحة أمام المجتمع المدني للعمل معا من أجل ترسيخ الحق في المعلومة”
المقال التالي
عبد الرحيم فكاهي من لقاء فاس: “المعلومة شمس الفاعل المدني وأساسها دولة اجتماعية رقمية”

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :