بحث

اختر السمة:

بقلم خالد اليعقوبي : “الحق في إتاحة المعلومات من أجل توازن موضوعي بين مشروعية الشفافية ومشروعية حماية الأسرار”

خالد اليعقوبي، ممثل عن الهيأة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها بلجنة الحق في الحصول على المعلومات

في المبدأ العام: الأصل في المعلومة هو الإتاحة

تُجمع المرجعيات الحقوقية الدولية المؤطِّرة للحق في إتاحة المعلومات على أن هذا الحق يتوجب أن ينطبق على كل المعلومات التي تُنتجها وتديرها جميع الهيئات العامة، وأن الاستثناءات على هذا الحق ينبغي أن تكون قانونية ومحدودة ومستوفية لمعايير الإضرار والمصلحة العامة، وأن ممارسة هذا الحق يجب أن تكون دون تكلفة ودون اشتراط إبداء الأسباب، وأن كل شخص يمارس حقه في الحصول على المعلومات يتعين أن يتمتع بالحق في عرض الأمر على السلطات القضائية، وأن الإشراف على ممارسة هذا الحق يجب أن يتم بواسطة هيئة مستقلة تتوفر على صلاحيات وازنة وآليات إلزام واضحة.

وتؤكد هذه المرجعيات على أن المحددات المذكورة أملاها الاقتناع الراسخ لدى المنتظم الدولي بأن الأصل في المعلومة هو الإتاحة؛ أي أن كل المعلومات والوثائق والبيانات بمختلف أشكالها وأنواعها المتوفرة لدى مختلف المرافق العامة معلوماتٌ قابلة للنفاذ كقاعدة وأصل، وما سواها ليس إلا استثناء ينبغي أن يؤطَّر بمبررات قانونية وموضوعية ومُقنعة بعدم الإفصاح والإتاحة.

في المدركات العامة السائدة لأسرار الدولة

على هذا الأساس، استقر منظور المجتمع الدولي على أن إتاحة المعلومات هي البوابة الرئيسية للشفافية، وبالتالي فهي الأقرب إلى جوهر الديمقراطية التمثيلية والتشاركية، وأن حماية الأسرار ليست سوى استثناء من حق عالمي شامل هو حق النفاذ إلى المعلومات. وعليه، باتت الثقافة السياسية السائدة في الديمقراطيات الغربية تُعلي من مبدأ الانفتاح والشفافية؛ وبالمقابل، صار الامتياز الذي يَمنح الدولة الحق التقديري في تصنيف المعلومات على أنها سرية محط انتقادات ومراجعات كثيرة، تعزى إلى كون السرية أضحت، في نظر الكثير، تُستغل لخدمة المصالح والأجندات الشخصية لأصحاب السلطة السياسية والبيروقراطية، ولا تخدم المصلحة العامة للأمّة[1].

وحينما نتحدث عن الأسرار ينصرف التفكير مباشرة إلى أسرار الدولة التي تهدف إلى حماية الأمن الوطني، وأمن الدولة، والأمن العام، والسلامة العامة، والدفاع الوطني، والمصلحة الوطنية، وأسرار الدولة، والحياة الخاصة، والمعطيات الشخصية. وتُعتبر هذه المفاهيم، في نظر الكثيرين، مفاهيم مبهمة ومنطوية على الكثير من الضبابية، بما يرفع من منسوب قابليتها للتأويل الذي قد ينحو إلى التعسف المرجِّح لإخفاء المعلومات.

في أهم التوجهات التشريعية المؤطرة للأسرار المتعلقة بأمن الدولة

وفق هذا الاعتبار، يتبين أن التشريعات المؤطِّرة للأسرار الرسمية في الدول الأوروبية يتوزعها اتجاهان عندما يتعلق الأمر بكشف معلومات سرية متعلقة بالأمن الوطني أو الدفاع الوطني: الاتجاه الأول تطبقه ألمانيا وفنلندا وفرنسا والبرتغال وإيطاليا وليتوانيا وبولندا وهولندا وسلوفينيا، ويفرض استيفاء عدة متطلبات قبل الإفصاح عن المعلومات، ومنها إخضاع الإفصاح لاختبارات ضرر متنوعة لإثبات أنه لن يمس الأمن الوطني. وقريب من هذا الاتجاه، النهج الذي تعتمده السويد والذي يقوم على تقييم الأضرار التي قد تلحق بالأمن الوطني وموازنتها بالمنافع التي يعود بها الإفصاح على المصلحة العامة.

أما الاتجاه الثاني فتطبقه بلغاريا وجمهورية التشيك وأيرلندا وكرواتيا ورومانيا وتركيا، ويعتبر أن المعلومات المتعلقة بالأمن الوطني لا يمكن إخضاعها لأي اختبار للأضرار المحتملة، ولا لأي تقييم للفوائد التي قد تعود على المصلحة العامة من الإفصاح عنها.


” استقر منظور المجتمع الدولي على أن إتاحة المعلومات هي البوابة الرئيسية للشفافية.”

— خالد اليعقوبي

من ناحية أخرى، تسمح جميع دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء فرنسا، بالمراجعة القضائية لقرارات حظر الحصول على المعلومات السرية لدواعي الأمن الوطني. كما أنه في الغالبية العظمى من دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ودول الاتحاد الأوروبي، بخلاف فرنسا، يمكن لقاض أن يأمر بالإفراج عن المعلومات إذا تكونت لديه القناعة بانتفاء مسوغات الحفاظ على سريتها، حتى لو قدمت هيئة من هيئات الإدارة العامة تأكيدات بضرورة حجب المعلومات مراعاة لاعتبارات الأمن الوطني. بينما تعتمد إسبانيا نظاماً ينزع من القاضي الفردي اختصاص إلغاء تصنيف سرية المعلومات ويحصره في المحكمة العليا دون سواها.

نحو توازن موضوعي بين المشروعية الديمقراطية للشفافية والمشروعية الديمقراطية للسرية

بات واضحا لدى المنتظم الدولي أن التعامل مع الأسرار ينبغي أن يستحضر التوازن المطلوب بين مبدأ تغليب الشفافية في إطار تضييق مبدأ السرية وتأطيره بالمحددات التالية:

  • حماية أسرار الدولة تعدّ مشروعة بقدر مشروعية مسوغاتها؛
  • مفهوم حماية المصلحة العامة يُعتد به على أساس تَحمُّل الإدارة المعنية لعبء إثبات المصلحة المتحققة من حفظ سرية المعلومات، وليس على أساس تحمل طالب المعلومات لعبء إثبات المصلحة المتحققة من الإفصاح عن المعلومات، لأن الأصل في المعلومة هو الإتاحة؛
  • تثبيت مجالات الاستثناء في القوانين ذات الصلة ينبغي أن يستحضر تغليب الأضرار العامة على الخاصة؛ أي أن يأخذ بعين الاعتبار مبدأ رسم الحدود بشكل واضح بين ما هو ضرر عام ينبغي تغليبه، وما هو ضرر خاص يتعين أن يتراجع أمام ما هو أسمى منه، حتى لا نجد أنفسنا أمام ترسانة قانونية جامدة تُكبل قدراتنا في الاستجابة بشكل ناجع وملائم لضغوط الواقع وإكراهاته الملحة؛
  • إتاحة المعلومات من طرف الهيئات العامة ينبغي أن يؤطره مبدأ الإتاحة الشاملة، مع حصر لائحة المعلومات غير القابلة للإتاحة وعرضها على الهيئة المختصة للمصادقة عليها؛
  • تدبير المعلومات المتعلقة بالحياة الخاصة بما تشمله من حُرمة المسكن، والمحادثات الخاصة، والذمة المالیة، والآراء السیاسیة والمعتقدات الدینیة، والحیاة العائلیة والعاطفیة، وكذا الصورة، رغم كونه يبقى حقا محفوظا للشخص المعني، يتحكم في نطاقه وفي حدود تسريبه، إلا أنه ليس حقا مطلقا للمعني بالأمر، بل خاضعا للتوازنات التي قد يفرضها مطلبُ الشفافية وما تستلزمه من حق النفاذ إلى هذه المعلومات، في حالات قانونية محددة وضمن ضوابط احترازية مدققة، بصرف النظر عن موافقة صاحبها أو رفضه.

“تثبيت مجالات الاستثناء في القوانين ذات الصلة ينبغي أن يستحضر تغليب الأضرار العامة على الخاصة“

في ضوء هذه المحددات، يمكننا استعراض مجموعة من الحالات التي رَجَّحت فيها التشريعات حق المجتمع في الشفافية على حق المؤسسات العامة في حماية الأسرار، وحق الأشخاص في حماية حياتهم الخاصة ومعطياتهم الشخصية، وذلك وفق ضوابط محددة، في إطار إعمال القاعدة المعروفة: المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة؛ حيث تكرِّس هذه الحالات توجها متناميا نحو تغليب الشفافية على السرية؛ نذكر من أهمها:

1- اعتماد العديد من التشريعات الدولية لإجبارية التصريح بالممتلكات بالنسبة لبعض فئات من المسؤولين العموميين، بما يجعل ذِمَمهم المالية مكشوفةً لدى الجهات والأشخاص الذين يضطلعون بتدبير هذه التصاريح، بل إن العديد من التشريعات أقرت مبدأ علنية التصريحات[2] من مداخل متعددة تتراوح بين ضمان حق الاطلاع الكلي أو الجزئي، أو حصر الاطلاع على تصريحات فئات محددة، أو اعتماد النشر،[3] سواء كليا أو جزئيا أو فئويا.

2- اعتماد العديد من التشريعات لمبدأ تتبع ومراقبة ثروات بعض الفئات من المسؤولين العموميين، لرصد أي تطور مشبوه للثروة والمعاقبة عليه. وفي المغرب يضطلع الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بصلاحية تتبع ثروة القضاة؛ حيث خوله القانون التنظيمي الحق في تقدير ثروة القضاة وأزواجهم وأولادهم بواسطة التفتيش، على أن يكون موضوعَ متابعة تأديبية كلُّ قاضٍ ثبتت زيادةُ ممتلكاته، خلال فترة ممارسة مهامه، زيادةً ملحوظة لا يستطيع تبريرها بصورة معقولة.

3- اعتماد الكثير من التشريعات، ومن بينها التشريع الوطني، للإجراءات المتعلقة بالتقاط المكالمات الهاتفية وكافة الاتصالات المنجزة بواسطة وسائل الاتصال عن بعد، علما بأن التقاط المكالمات يعتبر إجراء تحقيقيا يُباشَر خِلسة ويَنتهك سريةَ الأحاديث الخاصة؛ ولا يمكن أن يتم إلا بأمر من السلطة القضائية في الشكل المحدد قانونا بهدف الحصول على دليل غير مادي للجريمة.

4- اعتبار الاجتهادات القضائية الدولية أن تسجيل المحادثات الذي تكون الغايةُ منه تقديمَ دليل إلى القضاء أو الشرطة القضائية، لا ينطوي على جريمة المس بالحياة الخاصة، لانعدام قصد المساس بالحياة الخاصة لدى القائم بالتسجيل.

5- إقرار بعض التجارب الدولية لإلزامية نشر الرواتب والمنح والتعويضات السنوية للوزراء والمديرين ومديري الدواوين والمسؤولين المعينين في المناصب العليا، مع اعتبار هذا النشر، رغم مسِّه بالخصوصية، نابعا من مبدأ تمكين المجتمع من ضمان حقه في معرفة مجالات إنفاق المال العام.

6- اعتماد العديد من التشريعات لمبدأ نشر القرارات التأديبية الصادرة في حق بعض المسؤولين وبعض الممارسين للمهن الحرة، كالمهندسين المساحين الطبوغرافيين والخبراء المحاسبين المعتمدين، دون اعتدادٍ بما تُمثله هذه القرارات من معطيات خاصة يتم نشرها وإتاحتها للعموم، ترجيحا لثبيت مبدأ إشهار العقوبات سواء التأديبية أو الجنائية النهائية المكتسبة لقوة الشيء المقضي به، باعتباره الضامن لمنحِ العقوبة أثرها الوقائي المتمثل في تحصين المجتمع من أشكال النصب والاحتيال التي قد تحدث نتيجة عدم معرفة الناس بانتفاء الصفات المهنية عن الأشخاص المدانين.

7- تثبيت مبدأ إِطْلاع الرأي العام على القضايا الرائجة في المحاكم والإجراءات المتخذة فيها، باعتبار دوره الحيوي في ترسيخ مقومات الحكامة الجيدة التي تشكل فيها إتاحةُ المعلومات مطلبا حيويا لترسيخ الشفافية والانفتاح، رغم ما تشكله هذه الإتاحة من تشهير وإمكانية المس بقرينة البراءة في مسار قضائي لم تكتمل فصوله ولم تستنفد جميع مساطره القضائية.[4]

“من المهم تثبيت حق المجتمع في تتبع الحساب المتعلق بتدبير المرافق العمومية للأموال العامة“

8- تنصيص بعض التشريعات على انتفاء المسؤولية الجنائية عن المبلغين الذين يضطرون أحيانا، في مخالفة لقوانين السرية، لأخذ نسخ ورقية أو إلكترونية للمستندات التي من شأنها أن تدعم تبليغاتهم وفي نفس الوقت تحميهم من كل متابعة على أساس الوشاية الكاذبة؛ حيث يمكن التذكير، في هذا الإطار، بالتوجه الأخير للمشرع الفرنسي الذي نص مؤخرا[5] على انتفاء المسؤولية الجنائية عن المبلغ الذي يسلب أو يختلس أو يخفي المستندات أو أي وسيلة أخرى تحتوي على المعلومات التي بلغت إلى علمه بشكل مشروع، والتي يبلِّغ عنها السلطات والهيئات المعنية.

إن هذه الحالات وغيرَها تُبرز التوجه المتنامي إلى تغليب مطلب الشفافية على مبدأ سرية المعطيات الخاصة، بما يستجيب للقاعدة المعروفة ″المصالحُ العامة مُقدَّمةٌ على المصالح الخاصة″. وهذا يعني أن حماية الأسرار وحماية المعطيات الخاصة قد تتراجع أمام حماية المصالح العامة عندما يتعلق الأمر، مثلا، بدفع أضرار الفساد عن المجتمع، أو تحصين نظافة الذمم المالية للمسؤولين عن تدبير المال العام، أو تيسير الوصول إلى مرتكبي بعض الجرائم ذات الأثر الكبير على المجتمع، أو إطلاع الرأي العام على شفافية مجالات إنفاق الأموال العامة، أو التماس تحقيق الأثر الوقائي للعقاب الصادر في حق مرتكبي بعض الجرائم.

على هذا الأساس، تعاملت الكثير من التشريعات بمرونة كبيرة مع مبدأ السرية وحماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة، إعلاءً للمصالح العامة على المصالح الخاصة، وتَحَمُّلا لأضرار خاصة لدفع أضرار عامة، وفقا للقاعدة المعروفة “يُتحمَّل الضرر الخاص لدفع ضرر عام”، مع وضع الضوابط القانونية والاحترازات التنظيمية التي تَحُول دون أي استخدام أو استعمال لهذه الأسرار وهذه المعطيات الشخصية خارجَ الأغراض القانونية التي سَمحت بالنفاذ إليها.

من أجل تعزيز انخراط التشريع المغربي في مسار هذا التوازن

وإذا كان المشرع المغربي قد بدأ في التجاوب نسبيا مع بعض هذه التوجهات، فإنه يبقى مطالبا بإلحاح بمعالجة إشكالية السر المهني في الوظيفة العمومية.[6] ذلك أن المقتضيات القانونية للفصل 18 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية والتي تلزم الموظف العمومي بكتم سر المهنة في كل ما يخص الأعمال والأخبار التي يعلمها أثناء تأدية مهامه أو بمناسبة مزاولتها، تشكل تجاوزا واضحا لسقف الاستثناءات المنصوص عليها في القانون 13-31 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، لأن منطوق هذه المقتضيات يجعل نطاق السرية مستوعبا لكل الأعمال والأخبار التي تصل إلى علم الموظف.

“يتعين توجيه مجهود أكبر من أجل التنزيل الأمثل لمبدأ التشاركية أو التضمينية“

كما يتعارض هذا الفصل مع المبدأ العام المتعلق بالتبليغ الوجوبي والفوري المنصوص عليه بالنسبة للموظفين لدى النيابات العامة، طبقا لمقتضيات المادة 42 من قانون المسطرة الجنائية، ومع مبدأ عدم المتابعة، على أساس إفشاء السر المهني، إذا كانت الجرائم المبلغ عنها من طرف الموظفين تم الاطلاع عليها بمناسبة مزاولتهم لمهامهم، طبقا لمقتضيات المادة 82-9 من قانون المسطرة الجنائية؛ بما يعني أن التجرد من السرية يعتبر واجبا مطلوبا لأجل التبليغ عن الجرائم المرتكبة داخل المرفق، الأمر الذي يجعل مقتضيات السر المهني كما هي منصوص عليها ضمن مقتضيات الفصل 18 المشار إليها أعلاه متعارضة تماما مع اختيارات الدستور وتوجهات النصوص المشار إليها في الموضوع.

لكل هذه الاعتبارات، يتعين التوجه نحو المراجعة العميقة لإشكالية السر المهني المنصوص عليه ضمن مقتضيات النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية من خلال إما الإلغاء الكلي لمقتضيات الفصل 18 من النظام الأساسي العام التي تبقى مضامينها فضفاضة ومفتوحة على احتواء مجالات غير مشمولة بالاستثناء كما هو محصور بمقتضى القانون المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، وإما الإبقاء عليه بشرط حصره في المجالات المشمولة بالاستثناء بمقتضى القانون 13-31، وبمراعاة مقتضيات قانون المسطرة الجنائية المشار إليها أعلاه.

كما يتعين توجيه مجهود أكبر من أجل التنزيل الأمثل لمبدأ التشاركية أو التضمينية[7]، من خلال ترسيخ الوعي بضرورة تطوير نوعية صنع القرار، خاصة عبر ضمان انخراط سائر المعنيين في مسار إعداد وتفعيل وتقييم البرامج والمشاريع الوطنية، الأمر الذي يمر عبر الاقتناع بمبدأ تقاسم المعطيات والمعلومات وتحجيم نطاق السرية في هذا المجال، كجسر أساسي لإنجاح خيار الديمقراطية التشاركية، ولضمان شيوع المعلومة مؤسساتيا وأفقيا لتيسير إتاحتها لسائر المعنيين؛ بما يرفع مستويات الوعي بالمشاريع المعتمدة وآليات ونظم تدبيرها والاختلالات المحتمل حصولها وإتاحة رصدها والتبليغ عنها.

من جهة أخرى، من المهم تثبيت حق المجتمع في تتبع الحساب المتعلق بتدبير المرافق العمومية للأموال العامة[8]؛ بما يستوجب بناء أنظمة معلومات محينة عن الممتلكات والأموال العامة، مِن حيث مصادرُ التمويلِ ومجالات الإنفاق ومؤشرات الإخبار التي تستدعي إرساء آليات الانخراط الواسع في عملية الميزانية، من خلال إطلاع المواطنين بشكل مبسط على مختلف المعلومات المتعلقة بالموارد والنفقات؛ بما يتيح ممارسة رقابة مجتمعية ناجعة في هذا المجال.

[1]الحصول على المعلومات وحدود الشفافية العامة، فرانسيسكو كاردونا، مركز النزاهة في قطاع الدفاع، 2016.

[2]– في تقرير صادر عن البنك الدولي، تأكد أن 45 دولة تنشر محتوى التصريحات على شبكة الانترنيت، منها تقريبا 74% من البلدان ذات الدخل المرتفع في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، كما أكد أن التصريح بالممتلكات يعتبر إجباريا لدى 86% من الدول الأعضاء في هذه المنظمة، وأن نشر مضامين التصريحات يهم تقريبا بصفة إجبارية نصف الدول الأعضاء في المنظمة.

[3]– جدير بالإشارة أن المراجعة القانونية لمنظومة التصريح الإجباري بالممتلكات تتجه إلى اعتماد مبدأ نشر أسماء الأشخاص الملزمين الذين لم يقدموا تصريحاتهم، والذين قدموا تصريحاتهم خارج الآجال القانونية، وكذا نشر اسم الإدارة التي لم تقم بإعداد قائمة الأشخاص الملزمين، ونشر قرارات التأديب الصادرة في حق المخلين بالتصريحات.

[4] أقر النص الجديد للمسطرة الجنائية هذا الحق، مع تسجل نوع من التضييق على نطاق إعماله، وذلك من خلال تثبيته ضمن سلطة ملاءمة حصرية للنيابة العامة، وإقراره في إطار آلية إلزامية هشة تتمثل في ″الجواز″ و″عند الاقتضاء″؛ بما يوفر غطاء قانونيا يتيح إمكانيات ملموسة لعدم إعمال هذا المقتضى الحيوي بالنجاعة المطلوبة، الأمر الذي يستدعي إعادة تأطيره، خاصة من خلال توسيع نطاق اتخاذ القرار بشأنه، تأسيا بتشريعات مجموعة من الدول التي جعلت هذا القرار موزعا بين النيابة العامة المختصة تلقائيا، وبين الطلبات الممكن تقديمها من طرف قاضي التحقيق أو قاضي الحكم أو أطراف الدعوى؛ مع إقرار مبدأ الانتظام في إحاطة الرأي العام علما بهذه القضايا الرائجة، خاصة في حالة الإجراءات الجنائية التي تستمر لفترة طويلة.

[5]– القانون رقم 2022-401 الصادر في 21 مارس 2022، الرامي إلى تعزيز حماية المبلّغين عن المخالفات:

‘’لا تترتب كذلك المسؤولية الجنائية على المبلّغ عن المخالفات الذي يقوم بأخذ أو اختلاس أو إخفاء وثائق أو أي دعامة أخرى تتضمن معلومات اطّلع عليها بطريقة مشروعة، ويقوم بالإبلاغ عنها أو الكشف عنها وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة.

وتسري أحكام هذه المادة كذلك على المشارك في ارتكاب هذه الأفعال.’’

[6]– الفصل 18 من النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية.

[7]– الفصل 13 من الدستور.

[8]– الفصل 156 من الدستور.

المقال السابق
مصطفى الناوي يشرح: “الفصل 27 من الدستور: الحق في الحصول على المعلومات”
المقال التالي
وفاء القصري تستعرِض: “تدبير المعلومات في ضوء القانون 31.13 من الحصول على المعلومات”

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :