بحث

اختر السمة:

بين الشفافية واحترام الخصوصية: المعلومة العمومية، حق دستوري بضوابط قانونية

ماذا نقصد فعلا ب ”المعلومة العمومية”؟ سؤال بسيط في ظاهره، لكن الإجابة عنه تحدد لكل مواطن حدود حقه في مساءلة الإدارة والاطلاع على ما تحوزه من معطيات تهم الشأن العام. فمنذ كرس دستور 2011 هذا الحق، ثم جاء القانون رقم 31.13 لينظمه، أصبح بإمكان كل مواطن ومواطنة أن يطلب معلومات كانت إلى وقت قريب حكرا على الإدارة وحدها. غير أن هذا الحق ليس مطلقا، إذ يحدد القانون بدقة ما يدخل ضمن خانة ”العمومي” وما يبقى محميا بالسرية والخصوصية.

غياب الوعي بهذه الحدود يترجم يوميا على أرض الواقع؛ مواطن يتردد في طلب معلومة يحق له قانونا الاطلاع عليها ظنا منه أنها من أسرار الإدارة، وآخر يطلب معلومة مستثناة بحكم القانون دون أن يدرك الأساس القانوني لذلك. هذا الالتباس ليس وليد جهل، بل نتاج غياب تعريف واضح ومبسط لمفهوم ”المعلومة العمومية” في المتناول العام. لتفكيك هذا المفهوم وتوضيح حدوده، توجهنا بالسؤال الى خولة عبيد الله إطار بلجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI

توضح خولة عبيد الله، إطار بلجنة الحق في الحصول على المعلومات، أن القانون رقم 31.13 لم يأت من فراغ، بل جاء تفعيلا للفصل 27 من دستور 2011، الذي يشكل “الأصل” في هذا الباب.

فالقانون رقم 31.13، وهو قانون عادي وليس تنظيميا، يحدد مجال تطبيق الحق في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، كما يحدد شروط وكيفيات ممارسة هذا الحق.

ووفق هذا الإطار، يقصد بالمعلومة العمومية كل معطى أو إحصائية، معبرا عنها في شكل أرقام أو حروف أو رسوم أو صور أو تسجيل سمعي أو بصري أو أي شكل آخر، تكون مضمنة في وثائق أو مستندات أو تقارير أو دراسات أو مذكرات ذات طابع عام، أنتجتها المؤسسة أو الهيئة المعنية أو توصلت بها في إطار مهامها كمرفق عام، بصرف النظر عن طبيعة الدعامة التي توجد عليها، ورقية كانت أو إلكترونية.

ولا يقتصر القانون على تنظيم “الطلب” الفردي للمعلومة، بل يفرض أيضا مسألة “النشر الاستباقي”، استنادا إلى المعايير الدولية المتمثلة في مبدأ كشف الحد الأقصى من المعلومات العمومية.

وبحسب المتحدثة، فإن كل مؤسسة ملزمة بنشر الحد الأقصى من المعلومات التي في حوزتها، والتي لا تدخل ضمن نظاق الاستثناءات الواردة في القانون رقم 31.13، دون انتظار طلب من أحد، وعلى رأسها النصوص التشريعية والتنظيمية، ومشاريع القوانين ومشاريع قوانين المالية، ومقترحات القوانين البرلمانية، وميزانيات الجماعات الترابية، إضافة إلى مهام المؤسسات وهياكلها الإدارية ومعلومات الاتصال بها.

المرفق العام

فبحسب المادة الثانية من القانون رقم 31.13، تشمل لائحة الهيئات والمؤسسات المعنية، مجلسي النواب والمستشارين، والإدارات العمومية، والمحاكم، والجماعات الترابية، والمؤسسات العمومية، وكل شخص اعتباري من أشخاص القانون العام، وكذا كل مؤسسة أو هيئة أخرى، عامة أو خاصة، مكلفة بمهام المرفق العام، إلى جانب المؤسسات والهيئات المنصوص عليها في الباب الثاني عشر من دستور 2011.

وبعبارة أخرى، لا يقتصر الإلزام على “الإدارة” بالمفهوم الكلاسيكي، بل يمتد إلى كل جهة تدبر شأنا عاما، ولو كانت في الأصل هيئة خاصة، متى كانت مكلفة بمهام من مهام المرفق العام.

هنا يكمن جوهر الخلط الذي يواجهه كثير من طالبي المعلومة. وتضرب عبيد الله مثالا دالا: حين تجري مؤسسة ما دراسة أو إحصائية حول الدعم العمومي، يمكنها نشر النسب والأرقام، لكن لا يحق لها نشر أسماء المستفيدين أو عناوين سكناهم، لأن هذه المعطيات تدخل ضمن نطاق آخر يتعلق بالمعطيات ذات الطابع الشخصي.

فالتمييز، كما فسرته عبيد الله، يقوم بين نوعين من المعلومات: معلومات عامة ترتبط بتدبير الشأن العام، ومعطيات شخصية هي كل ما يمكن أن يكشف هوية شخص بعينه، كاسمه أو رقم بطاقته الوطنية أو صورته؛ وهذه الاخيرة محمية بموجب القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه المعطيات ذات الطابع الشخصي.

في المقابل، يرسم القانون رقم 31.13، في بابه الثاني، حدودا واضحة لما لا يمكن للمواطن الاطلاع عليه، تفعيلا لأحكام الفقرة الثانية من الفصل 27 من الدستور، وتشمل هذه الاستثناءات:

  • المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني وأمن الدولة الداخلي والخارجي.
  •  المعلومات المرتبطة بالحياة الخاصة للأفراد أو ذات الطابع الشخصي
  •  المعلومات التي قد يمس الكشف عنها بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور
  •  المعلومات التي من شأنها المس بحماية مصادر المعلومات
  •  المعلومات التي قد تضر بالعلاقات مع دولة أخرى أو منظمة دولية حكومية
  •  المعلومات المشمولة بحقوق الملكية الصناعية أو حقوق المؤلف والحقوق المجاورة
  •  المعلومات المتعلقة بحقوق ومصالح الضحايا والشهود والخبراء والمبلغين في قضايا الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ وغيرها
  •  المعلومات المشمولة بالسرية بمقتضى نصوص تشريعية خاصة جاري بها العمل
  • المعلومات المتعلقة بالسياسة النقدية والاقتصادية والمالية للدولة.

وتوضح خولة عبيد الله أن هذه الاستثناءات ليست “كلها أو لا شيء”. فوفق المادة الثامنة من القانون رقم 31.13، إذا تبين أن جزءا فقط من المعلومات المطلوبة يندرج ضمن نطاق الاستثناء، يحذف هذا الجزء تحديدا، ويسلم باقي المعلومات إلى طالبها.

رفض معلل

القانون لا يترك الباب مفتوحا أمام الإدارة لتبرير أي رفض دون تعليل، فهي ملزمة، أولا، بالرد على طلب الحصول على المعلومات داخل أجل لا يتجاوز عشرين يوم عمل من تاريخ التوصل بالطلب، ويختزل هذا الأجل إلى ثلاثة أيام فقط في الحالات المستعجلة التي يكون فيها الحصول على المعلومة ضروريا لحماية حياة الأشخاص وسلامتهم وحريتهم.

وحين تختار الإدارة الرفض، فإن المادة 18 من القانون تلزمها بتعليل هذا الرفض كتابة، سواء كان كليا أو جزئيا، وهو ما يفتح الباب أمام المواطن للطعن في هذا التعليل إذا اعتبره غير مبرر.

وفي هذا الاطار، تضطلع لجنة الحق في الحصول على المعلومات بأدوار محورية، من بينها السهر على ضمان حسن ممارسة هذا الحق، وتقديم الاستشارة والخبرة للمؤسسات حول آليات تطبيق القانون، والسهر على النشر الاستباقي للمعلومات، وتلقي شكايات طالبي المعلومات والبت فيها عبر البحث والتحري وإصدار التوصيات.

كما تعمل اللجنة على التحسيس بأهمية توفيرالمعلومات وتسهيل الحصول عليها، لا سيما من خلال تنظيم دورات تكوينية لفائدة أطر المؤسسات المعنية، واقتراح توصيات تروم تجويد المساطر المرتبطة بممارسة هذا الحق.

ولتسهيل ممارسة هذا الحق الدستوري ميدانيا، أحدثت اللجنة البوابة الوطنية للحصول على المعلومات (PNDAI)، التي تتيح للمواطنات والمواطنين، وكذا للأجانب المقيمين بالمغرب بصفة قانونية، الاطلاع على المعلومات الموجودة بحوزة المؤسسات المنخرطة في البوابة، وتقديم طلبات الحصول على المعلومات وتتبعها وفق الإجراءات التي يحددها القانون رقم 31.13.

وبين تحديد ما يدخل ضمن المعلومة العمومية، والحدود التي تفرضها حماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي، يتضح أن ممارسة الحق في الحصول على المعلومات تقوم على مسار قانوني وإداري تتقاطع فيه مجموعة من الأدوار داخل المؤسسة المعنية.

في سطور

  • الحق في الحصول على المعلومات يشمل المعطيات الموجودة لدى الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام.
  • القانون لا يقتصر على الاستجابة لطلبات المواطنين، بل يفرض أيضا على المؤسسات النشر الاستباقي لمجموعة من المعلومات التي تهم الشأن العام.
  • لا تعني عمومية المعلومة إتاحة جميع المعطيات المرتبطة بها؛ إذ تظل المعطيات الشخصية والحياة الخاصة محمية بموجب القانون.
  • يحدد القانون مجموعة من الاستثناءات المرتبطة، على الخصوص، بالدفاع الوطني وأمن الدولة والحياة الخاصة والحقوق والحريات والعلاقات الدولية والملكية الفكرية.
  • رفض طلب الحصول على المعلومة لا يمكن أن يكون مجرد قرار غير معلل، إذ يتعين على الإدارة تعليل الرفض كتابة وفق الشروط التي يحددها القانون.
المقال السابق
مداولتا لجنة الحق في الحصول على المعلومات: الانسجام التشريعي وتعزيز الشفافية عبر النشر الاستباقي والمعطيات المفتوحة
المقال التالي
من يُراقب المٌراقِب؟ الحدود القانونية لكاميرات المراقبة في المغرب

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :