بحث

اختر السمة:

الأطفال في مواجهة العالم الرقمي: اليونيسف تحذر من مخاطر التكنولوجيا وتدعو إلى حماية جيل ألفا لا عزلهم

لم يعد حضور الأطفال داخل الفضاء الرقمي مجرد اختيار مرتبط بالترفيه أو التعلم، بل أصبح واقعا يوميا يفرض إعادة التفكير في طرق الحماية والمواكبة، بعدما كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن الجيل الجديد يواجه بيئة رقمية تحمل فرصا كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات مرتبطة بالمعلومات المضللة، والذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والقدرة على الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا.

وأكد تقرير حديث صدر تحت عنوان “المصلحة الفضلى للأطفال في السياسات والممارسات الرقمية: من أصوات الأطفال والشباب والخبراء حول العالم (Children’s Best Interests in Digital Policy and Practice) الصادر عن مكتب اليونيسف للأبحاث (UNICEF Innocenti) ، أن حماية الأطفال في العالم الرقمي لا ينبغي أن تقوم فقط على الرقابة أو تقييد الوصول إلى التكنولوجيا، بل على بناء فضاء رقمي يضع حقوق الطفل ومصالحه الفضلى في صلب عملية التصميم والتدبير.

واعتمد التقرير على مشاورات مع الأطفال والشباب والخبراء، بهدف فهم الطريقة التي يعيش بها الأطفال تجربتهم الرقمية، وما ينتظرونه من التكنولوجيا، وما يعتبرونه تهديدات حقيقية داخل هذا الفضاء.

فضاء مزدوج

أبرز تقرير اليونيسف أن ”الأطفال لا ينظرون إلى العالم الرقمي باعتباره فضاء للخطر فقط، بل يعتبرونه أيضا مجالا يوفر فرصا مهمة للتعلم والتواصل واكتساب المهارات والتعبير عن الذات”.

لكن هذه النظرة الإيجابية لا تلغي المخاوف التي عبر عنها الأطفال خلال المشاورات، حيث شددوا على ضرورة جعل التكنولوجيا أكثر أمانا وشفافية، وأكثر انسجاما مع احتياجاتهم وحقوقهم.

ويكمن أحد أهم خلاصات التقرير في أن ”الأطفال لا يريدون أن يتم التعامل معهم باعتبارهم مجرد مستخدمين للتكنولوجيا، بل يرغبون في أن يكون لهم صوت في النقاشات المتعلقة بمستقبل البيئة الرقمية التي يعيشون داخلها”. فالحماية، حسب التقرير، ”لا تعني اتخاذ القرارات نيابة عن الأطفال فقط، وإنما الاستماع إليهم وفهم تجاربهم اليومية داخل المنصات الرقمية”.

وبرز الذكاء الاصطناعي كأحد أبرز التحولات التي فرضت نفسها خلال مشاورات اليونيسف، رغم أنه لم يكن المحور الرئيسي للدراسة، إذ ظهر بشكل تلقائي في مختلف النقاشات، بما يعكس حضوره المتزايد في الحياة اليومية للأطفال.

وأظهر الأطفال وعيا بطبيعة الذكاء الاصطناعي المزدوجة؛ فهو من جهة يوفر إمكانيات مهمة في مجال التعلم والوصول إلى المعرفة، لكنه من جهة أخرى يطرح مخاطر جديدة مرتبطة بطريقة استخدامه.

ومن بين أبرز المخاوف التي سجلها التقرير انتشار المعلومات المضللة والمحتويات المزيفة التي يمكن أن تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث عبر الأطفال عن تخوفهم من أن تؤدي الأخبار الكاذبة أو المحتويات غير الدقيقة إلى التأثير على فهمهم للعالم وعلى مسار تعلمهم.

كما أشار التقرير إلى أن بعض المراهقين أصبحوا يشعرون بالقلق من الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، معتبرين أن استخدامها بشكل غير نقدي قد يؤثر على القدرة على التفكير والتحليل المستقل.

وتعتبر مسألة جودة المعلومات من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال داخل البيئة الرقمية، خصوصا مع الانتشار السريع للمحتويات التي يصعب التحقق من مصدرها.

وأوضح التقرير أن الأطفال عبروا عن قلقهم من انتشار الأخبار الكاذبة والمحتويات غير الصحيحة، معتبرين أن بعض الفئات العمرية الأصغر قد تكون أكثر عرضة للتأثر بهذه المضامين بسبب محدودية مهارات التحقق والتمييز بين المعلومات الموثوقة وغير الموثوقة.

ويبرز هذا المعطى أن حماية الطفل رقميا لا ترتبط فقط بمنعه من الوصول إلى المحتويات الضارة، بل أيضا بتطوير قدرته على التفكير النقدي وفهم طريقة اشتغال الفضاء الرقمي.

ففي عالم أصبحت فيه الخوارزميات تلعب دورا كبيرا في تحديد ما يظهر للمستخدم، تصبح التربية الإعلامية والرقمية جزءا أساسيا من حماية الطفل.

تربية رقمية

لم تعد حماية المعطيات الشخصية قضية مرتبطة بالبالغين فقط، بل أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الأطفال داخل الإنترنت، حيث سجل التقرير ”مخاوف الأطفال من طريقة تعامل المنصات الرقمية مع معلوماتهم، خصوصا أثناء استخدام الأدوات التعليمية أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث لا يكونون دائما على دراية بطبيعة المعطيات التي يتم جمعها عنهم أو كيفية استخدامها”.

ويطرح هذا الأمر سؤالا أساسيا حول مدى وعي جيل Z بقيمة هويته الرقمية، خاصة أن الطفل قد يشارك معلومات أو صورا أومعطيات شخصية دون إدراك أن آثارها قد تستمر لفترة طويلة، ومن هنا يؤكد التقرير أهمية اعتماد أنظمة رقمية تحمي خصوصية الأطفال منذ مرحلة التصميم، وليس فقط بعد ظهور المشكلات.

ومن بين الرسائل الواضحة التي حملها تقرير اليونيسف أن ”الأطفال لا يحتاجون فقط إلى الولوج إلى التكنولوجيا، بل يحتاجون أيضا إلى تعلم كيفية استخدامها بشكل آمن ومسؤول”.

وأظهر المشاركون رغبة في ”الحصول على تكوينات مبكرة حول التكنولوجيا، لفهم كيفية عمل الأدوات الرقمية، ومعرفة فوائدها ومخاطرها، قبل منحهم وصولا واسعا إليها”.

كما دعا الأطفال إلى ”إدماج السلامة الرقمية ضمن المناهج التعليمية، وإلى تعزيز وعي الآباء والأسر حتى يكونوا قادرين على مواكبة أبنائهم داخل العالم الرقمي”.

ويعني ذلك أن الحماية لم تعد مرتبطة فقط بوجود برامج الرقابة الأبوية، بل أصبحت مرتبطة أيضا ببناء ثقافة رقمية لدى الطفل والأسرة والمدرسة.

مسؤولية مشتركة

يؤكد تقرير اليونيسف أن حماية الأطفال داخل الفضاء الرقمي لا يمكن أن تكون مسؤولية جهة واحدة، لأن البيئة الرقمية أصبحت منظومة معقدة تتداخل فيها مسؤوليات الحكومات والمؤسسات التعليمية والشركات التكنولوجية والأسر.

فالشركات مطالبة بتطوير منصات تراعي حقوق الأطفال، وتوفر مستويات أكبر من الشفافية والأمان، بينما تتحمل المؤسسات التعليمية مسؤولية إعداد الأطفال للتعامل مع التكنولوجيا بوعي.

أما الأسرة، فتبقى مطالبة بالانتقال من منطق المنع المطلق إلى منطق المواكبة والحوار، لأن الطفل الذي يعيش داخل العالم الرقمي يحتاج إلى التوجيه أكثر مما يحتاج إلى العزل.

وتجد هذه الخلاصات صداها في السياق المغربي، حيث أصبح الأطفال والشباب من أكثر الفئات حضورا داخل الفضاء الرقمي، سواء عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو المنصات التعليمية أو تطبيقات الترفيه.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الجهود المرتبطة بنشر ثقافة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي وتعزيز الوعي بالمخاطر الرقمية، خصوصا لدى الفئات الناشئة.

وتنسجم هذه الدينامية مع عمل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصيCNDP وبرامجها التحسيسية، وعلى رأسها برنامج “كون على بال”، الذي يهدف إلى تقريب مفاهيم حماية الخصوصية الرقمية من الأطفال والشباب والأسر، وتشجيع الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا.

وسهرها على تطبيق القانون 09.08؛ الذي يعتبر الإطار التشريعي الأساسي في المغرب لحماية الحياة الخاصة والمعطيات ذات الطابع الشخصي للأفراد تجاه مختلف عمليات المعالجة التي تقوم بها الإدارات العمومية، والمؤسسات، والشركات، والفاعلون الخواص. وقد جاء هذا القانون من اجل حماية الأفراد من الاستغلال غير المشروع لمعلوماتهم الشخصية، خاصة مع التطور التكنولوجي الهائل وانتشار قواعد المعطيات والمنصات الرقمية.

وتتقاطع هذه الجهود مع رؤية اليونيسف التي تعتبر أن ”حماية الطفل في العصر الرقمي لا تعني إبعاده عن التكنولوجيا، وإنما تمكينه من استعمالها بطريقة واعية وآمنة”.

المقال السابق
بعد الحاجب وإفران: “كون على بال” يواصل جولته التوعوية بمحطتي إيموزار كندر وبولمان
المقال التالي
من مدينة وجدة: CDAI تٌطلِق البرنامج الوطني لتكوين المكونين حول بوابة الحق في الحصول على المعلومات PNDAI

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :