دعا رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، عمر السغروشني، من أبيدجان، إلى ترسيخ مقاربة إفريقية لحماية المعطيات تقوم على التوازن بين التطور التكنولوجي واحترام القيم الأخلاقية، معتبرا أن هيئات حماية المعطيات هي شكل من أشكال الضمير الأخلاقي داخل الفضاء الرقمي، تضمن حماية الحياة الخاصة وصون كرامة الأفراد.
وأكد السغروشني، خلال مداخلة تناولت رهانات حماية المعطيات والقدرات المؤسساتية بالقارة الإفريقية ضمن فعاليات أعمال المؤتمر الأفريقي التاسع لشبكة هيئات حماية المعطيات الشخصية (RADPDP-NADPA)، المنعقد بمدينة أبيدجان بكوت ديفوار خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 22 مايو 2026، أن هيئات حماية المعطيات تضطلع بدور محوري في مواكبة التحولات الرقمية، ليس فقط من خلال المراقبة والتقنين، وإنما أيضا عبر الإسهام في بناء وعي جماعي يحفظ التوازن بين النجاعة التكنولوجية واحترام الحقوق والحريات الفردية.
مشيراً إلى أن هيئات حماية المعطيات لا يمكن اختزالها في كونها مسؤولة عن كل حالات تسريب أو اختراق المعطيات، باعتبار أن وظيفتها الأساسية تتمثل في مراقبة احترام قواعد الحماية وتأطير الاستعمالات الرقمية، لا إدارة الأنظمة التقنية أو تأمين البنيات المعلوماتية بشكل مباشر.
البعد الأخلاقي
وشدد المتدخل على ضرورة التمييز بين حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والأمن المعلوماتي، مبرزا أن المجالين متكاملان لكنهما يختلفان من حيث الاختصاصات والأدوار، تماما كما يختلف دور الجهة التي تمنح رخصة السياقة عن دور الميكانيكي المكلف بإصلاح أعطاب السيارات.

وفي معرض حديثه عن التحولات الرقمية، سجل السغروشني أن بعض التكنولوجيات الحديثة، خاصة المرتبطة بالتتبع والمراقبة والتعرف، أصبحت تتيح إمكانيات واسعة لجمع المعطيات وتتبع السلوكيات، ما يفرض، بحسب تعبيره، استحضار البعد الأخلاقي في تطوير واستعمال التكنولوجيا.
وأضاف أن التقدم التكنولوجي لا ينبغي أن يتم بمعزل عن القيم الإنسانية، معتبرا أن دور هيئات حماية المعطيات يتمثل أيضا في تجسيد ”شكل من أشكال الضمير الأخلاقي” داخل الفضاء الرقمي، بما يضمن حماية الحياة الخاصة وصون كرامة الأفراد.
واستحضر، في هذا السياق، مثال احترام ممر الراجلين، موضحا أن المجتمعات لا تبنى فقط على منطق السرعة والفعالية، بل كذلك على احترام القواعد الجماعية والسلوك المدني، وهو المنطق ذاته الذي ينبغي أن يؤطر الاستعمال المسؤول للتكنولوجيا والمعطيات الشخصية.
كما أكد أن حماية المعطيات ليست مفهوما مستوردا عن السياقات الإفريقية، بل تنسجم مع مختلف المرجعيات الأخلاقية والإنسانية والدينية التي تقوم على احترام الخصوصية والحياة الخاصة.
تحقيق الردع
وعلى مستوى القدرات المؤسساتية، أبرز السغروشني أن هيئات حماية المعطيات مدعوة إلى الاضطلاع بأدوار التحسيس والتكوين والتبسيط، لافتا إلى أن عددا كبيرا من المواطنين ما يزالون يجهلون وجود حق في حماية المعطيات أو وجود مؤسسات مكلفة بضمانه.

وأشار إلى أن العقوبات وآليات الزجر لا تروم التخويف أو استعراض السلطة، بل تهدف أساسا إلى تحقيق الردع وترسيخ احترام الحقوق، تماما كما هو الحال في قوانين السير التي تسعى إلى حماية السلامة العامة أكثر من سعيها إلى العقاب في حد ذاته.
ورفض السغروشني الطرح القائل إن حماية المعطيات تشكل عائقا أمام الاستثمار، مؤكدا أن وجود إطار قانوني ومؤسساتي واضح في هذا المجال يعزز ثقة المستثمرين، خاصة في ظل تنامي التشريعات الدولية المرتبطة بحماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية.
أما بخصوص الموارد البشرية، فقد شدد على أن هيئات حماية المعطيات بحاجة إلى كفاءات قادرة على الحوار والتأقلم والتعلم المستمر، أكثر من حاجتها إلى خبراء جامدين في تخصصات تقنية محددة، مبرزاً أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض بناء مؤسسات دينامية قادرة على مواكبة التغيير والمساهمة فيه.