في ظلّ التحولات المتسارعة التي يشهدها استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، يقدّم تحليل لمنشور على منصة LinkedIn للباحثة Antoinette Rouvroy قراءة نقدية لظاهرة تُعرف بـ«البحث المهلوس» (Recherche hallucinée)، وما يرافقها من تآكل تدريجي في «المشاعات الإبستيمية» (Biens communs épistémiques)، أي الرصيد المعرفي المشترك الذي يقوم عليه إنتاج المعرفة العلمية وتداولها. ويُبرز هذا التحليل كيف أصبح إنتاج المعرفة أكثر ارتباطًا بالأدوات التقنية والمؤشرات الكمية، بما يطرح أسئلة جوهرية حول الموثوقية، والنزاهة العلمية، ومعايير تقييم البحث.
ينطلق تحليل المنشور من مفهوم «البحث المهلوس»، الذي يشير إلى إنتاج معرفي يعتمد على مخرجات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تتضمن مراجع غير موجودة، أو اقتباسات غير دقيقة، أو تأويلات مضللة تُقدَّم في شكل خطاب علمي موثوق.
وتُظهر الباحثة أن هذا النوع من الإنتاج لا يقتصر على أخطاء شكلية، بل يمسّ آليات مركزية في الحقل العلمي، خصوصًا نظام التحكيم العلمي «peer review»، حيث يمكن أن تمرّ أبحاث تحتوي على خلل منهجي أو تشويه معرفي رغم خضوعها للمراجعة.
ويؤدي ذلك إلى اهتزاز معايير النزاهة العلمية، في مقابل انتشار محتوى يبدو أكاديميًا من حيث الشكل دون تحقق صارم من المصادر أو دقة الاستدلال.
تشويه المعرفة
لا يقتصر الخطر حسب التحليل، على اختلاق مراجع أو بيانات غير موجودة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل المعرفة نفسها بشكل منحرف، كما في بعض مجالات الدراسات القانونية النقدية «Critical Legal Studies»، إذ يمكن إعادة تقديم الأحكام القضائية بطريقة لا تعكس مضمونها الحقيقي.
ويقترب هذا النوع من الممارسات بما يُعرف بمغالطة «Straw Man» أو رجل القش، حيث يُعاد بناء موقف علمي أو قانوني بشكل مشوّه لتسهيل الدفاع عن أطروحة معينة.
في هذا السياق، تستحضر مفهوما «Enshittification» و«Bullshittification» للدلالة على تدهور تدريجي في جودة الإنتاج العلمي، حيث يصبح الخطاب الأكاديمي أكثر كثافة وأقل التزامًا بالحقيقة، مما يرهق القارئ ويضعف الثقة في المعرفة المنتجة.
هيمنة المؤشرات الببليومترية
يركّز المنشور أيضا على التحوّل الذي تعرفه «الإنتاجية» داخل الحقل الأكاديمي، حيث أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالمؤشرات الببليومترية (indicateurs bibliométriques) مثل عدد المنشورات وعدد الاستشهادات بدل جودة المحتوى العلمي.
وهذا المنطق الإحصائي أسهم في بروز ما يمكن تسميته بـ«رأس المال الأكاديمي» (capital académique)، حيث يسعى الباحثون إلى مراكمة الاعتراف المهني والرمزي عبر النشر الكمي، أكثر من السعي إلى إنتاج معرفة دقيقة وموثوقة.
ويحذر التحليل من أن هذا التوجه يعيد تشكيل أولويات البحث العلمي، بحيث تتحول «المشاعات الإبستيمية» (Biens communs épistémiques) إلى فضاء مهدد بالتآكل نتيجة ضغط النشر والمنافسة الأكاديمية. وفي المحصلة، لا يقدم تحليل المنشور الذكاء الاصطناعي كتهديد مستقل، بل كمرآة مكبّرة لاختلالات بنيوية في النظام الأكاديمي، حيث تتداخل أدوات التقنية مع منطق التقييم الكمي لإنتاج معرفة أكثر وفرة، لكنها أقل موثوقية وأكثر عرضة للتشويش.