بحث

اختر السمة:

مصطفى الناوي: “الحق في الحصول على المعلومات مدخل للحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة”

أكد مصطفى الناوي، عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات CDAI، أن الحق في الحصول على المعلومات لا يمكن فصله عن منظومة الحكامة الجيدة التي أرسى الدستور مرتكزاتها، ولا عن مبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، مبرزا أن المقتضيات القانونية تكتسب معناها الحقيقي من خلال الممارسة، ومن قدرة المواطنين والمؤسسات على تفعيلها وإخراجها من حيز النص إلى واقع ملموس.

جاءت مداخلة الناوي خلال الجلسة الأولى للقاء التواصلي الإقليمي حول “الحق في الحصول على المعلومات والهوامش الترابية، لاسيما الجبلية: أي مساهمة في تحقيق الحكامة الجيدة في عصر التحول الرقمي”، المنعقد يوم الخميس 27 غشت 2026 بمدينة ميدلت، والمنظم من طرف لجنة الحق في الحصول على المعلومات بشراكة مع “الائتلاف المدني من أجل الجبل”.

واستهل الناوي عرضه بعنوان “الإطار القانوني والمؤسساتي المنظم للحق في الحصول على المعلومات”، بالتوقف عند المكانة التي تحتلها الحكامة الجيدة داخل البناء الدستوري المغربي، موضحا أن ديباجة الدستور تطرقت إليها منذ بدايتها وربطتها بخيار بناء الدولة الديمقراطية الحديثة، إلى جانب المشاركة والتعددية وإرساء مجتمع متضامن.

أساس دستوري

وأضاف أن هذا التوجه يجد امتداداته في عدد من فصول الدستور، بدءا من الفصل الأول الذي ينص على مبادئ الحكامة الجيدة، والفصل 18 الذي يدعو إلى ضمان أوسع مشاركة ممكنة للمغاربة المقيمين بالخارج في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة الجيدة.

كما استحضر الفصل 31 من الدستور، الذي ينص على أن الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من عدد من الحقوق، من بينها العلاج والعناية الصحية والتعليم والسكن اللائق والشغل، معتبرا أن الحكامة الجيدة تتيح الوقوف على مدى ترجمة هذه الالتزامات فعليا وتعبئة الوسائل اللازمة لتحقيقه.

وتطرق عضو لجنة الحق في الحصول على المعلومات كذلك إلى الفصل 34 وما يرتبط به من السياسات الموجهة للأشخاص في وضعية إعاقة، مذكرا بأن المغرب كان من الدول السباقة إلى المصادقة على الاتفاقية الدولية ذات الصلة ونشرها في الجريدة الرسمية.

وفيما يتعلق بالتنظيم الترابي، أبرز الناوي أن الفصل 136 من الدستور ينص على ارتكاز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر والتعاون والتضامن، بما يضع هذا المجال في صلب الحكامة الجيدة، فيما ينص الفصل 139 على إحداث مجالس الجهات والجماعات الترابية لآليات تشاركية للحوار والتشاور تساهم في إعداد برامج التنمية وتتبعها.

وتوقف المتحدث عند الباب الثاني عشر من الدستور المتعلق بالحكامة الجيدة، والذي يؤطر جملة من المبادئ والمعايير ويؤسس لعدد من الهيئات وآليات الرصد والتتبع. وأشار إلى أن تنظيم المرافق العمومية يقوم على أسس المساواة والإنصاف والاستمرارية في أداء الخدمات، ويخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية، وهي مبادئ اعتبر أن قانون الحق في الحصول على المعلومات جاء في صميمها.

واستحضر الناوي أيضا الفصل 155، الذي يؤطر ممارسة أعوان المرافق العمومية لمهامهم على أساس احترام القانون والشفافية والنزاهة، إلى جانب الفصل 156 المتعلق بتلقي ملاحظات المرتفقين واقتراحاتهم وتظلماتهم وتأمين تتبعها، معتبرا أن الأمر يتعلق بالتزامات دستورية أساسية لا تنفصل عن مفهوم الحكامة الجيدة.

كما أشار إلى الفصل 157 المتعلق بميثاق المرافق العمومية، الذي يحدد قواعد الحكامة الجيدة المتعلقة بتسيير الإدارات العمومية والجهات والجماعات الترابية، فضلا عن الفصل 159 الذي يكرس استقلال الهيئات المكلفة بالحكامة الجيدة.

من الدستور إلى القانون 31.13

وانتقل الناوي بعد ذلك إلى القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات، مؤكدا أن صدور النص القانوني لا يشكل نهاية المسار، لأن القيمة الفعلية لأي مقتضى قانوني تظل مرتبطة بطريقة تفعيله وممارسته.

وقال إن النص يظل ثابتا ومنشورا في الجريدة الرسمية، فيما يمنحه الإنسان حركيته، سواء تعلق الأمر بمواطن يمارس حقا من حقوقه، أو بموظف يقدم خدمة، أو بمؤسسة تضطلع بمهامها، مشددا على أهمية بناء فهم موحد ومشترك للنص بما يضمن حركيته ويوفر شروط الاجتهاد في تطبيقه.

واعتبر أن الوصول إلى هذا المستوى من التفعيل يقتضي إدراك روح النص وكنهه والغايات التي توخاها المشرع منه، وليس الاكتفاء بقراءته في حدوده الشكلية.

وفي حديثه عن الأساس الدستوري للحق في الحصول على المعلومات، أوضح الناوي أن الفصل 27 من الدستور أقر هذا الحق باعتباره حقا قائما بذاته، وهو اختيار لا تتبناه جميع الدول بالطريقة نفسها.

وأكد أن من حق المواطن أن يعرف كيف يتم تدبير المال العام، وما المشاريع والبرامج التي يتم إنجازها، مشيرا إلى أن الحق في الحصول على المعلومات يأتي في سياق تكريس الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، إذ لا يمكن الحديث عن مراقبة أو مساءلة حقيقية في غياب المعلومات التي تمكن المواطن من معرفة ما يتم إنجازه وكيفية تدبير الشأن العام.

حق مطلق؟

وتساءل الناوي، عما إذا كان الحق في الحصول على المعلومات حقا مطلقا، موضحا أنه ليس كذلك، إذ توجد معلومات لا يمكن إتاحتها دون قيد، من بينها ما يرتبط بالمعطيات ذات الطابع الشخصي والحياة الخاصة، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالأمن الداخلي والخارجي وسلامة الدولة والقضايا العسكرية وغيرها من المجالات التي يحيطها القانون بضوابط خاصة.

وشدد، على أن الأصل هو إتاحة المعلومات وتوفيرها وتقديمها، فيما يظل التقييد استثناء لا يكون إلا بمقتضى القانون.

وأوضح المتحدث أن المشرع وضع القانون رقم 31.13 لتأطير مختلف جوانب ممارسة هذا الحق، من خلال تحديد مفهوم المعلومات، وتنظيم مسطرة تقديم طلبات الحصول عليها، وضبط الاستثناءات، فضلا عن تحديد وضعية لجنة الحق في الحصول على المعلومات وتركيبتها واختصاصاتها، إلى جانب المقتضيات المتعلقة بالعقوبات وغيرها من الجوانب التي ينظمها القانون.

وختم الناوي بالتأكيد على أن تأطير الحق في الحصول على المعلومات لا يقتصر على القانون 31.13 وحده، بل يندرج ضمن منظومة قانونية ومؤسساتية أوسع تتقاطع فيها مقتضيات ميثاق المرافق العمومية، وواجبات الشفافية وتقديم المعلومات، إلى جانب نصوص أخرى ترتبط بتعليل القرارات الإدارية والسر المهني وغيرها، بما يجعل تفعيل هذا الحق جزءا من بناء أشمل للحكامة الجيدة وعلاقة أكثر شفافية بين الإدارة والمواطن.

المقال السابق
من ميدلت.. فكاهي: “المعلومة مدخل للتنمية الترابية والنشر الاستباقي ضرورة في زمن التحول الرقمي”
المقال التالي
”كون على بال” يرسخ ثقافة الأمان الرقمي بالمخيم الصيفي لفائدة أطفال القدس

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :