بحث

اختر السمة:

حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي: ركيزة لإرساء دولة القانون وعنصر أساسي لتعزيز الثقة الرقمية

بقلم الدكتورة أسماء بنحدوش

ناقشت الدكتورة أسماء بنحدوش رسالة الدكتوراه تحت عنوان “حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والخصوصية في العصر الرقمي” بجامعة ظهر المهراز بفاس نقدم في هذا المقال أبرز ما ناقشته الباحثة و الاستنتاجات التي خلصت إليها.

في عصر الثورة الرقمية، أصبحت المعلومات مورداً استراتيجياً، على غرار المواد الخام أو رؤوس الأموال. وتقع المعطيات ذات الطابع الشخصي، في قلب هذا التحول الهيكلي، حيث تشكل أصولاً غير ملموسة أساسية. ولا يؤثر التحكم فيها على التنمية الاقتصادية فحسب، بل أيضاً على الحفاظ على الحقوق والحريات الأساسية.

فتتميز بيئتنا الرقمية المعاصرة بمعالجة ضخمة ومستمرة وآلية لمعلومات المتعلقة بالأفراد: الهويات الرقمية، سلوكيات التصفح، المعلومات البيومترية، آثار تحديد الموقع الجغرافي، المعلومات الصحية، التفاعلات الاجتماعية، إلخ.

و قد أدى ازدهار الشبكات الاجتماعية والإدارة الرقمية والخدمات المصرفية غير المادية والتجارة الإلكترونية وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تعريف المفهوم التقليدي للخصوصية بشكل جذري. يبرز هذا السياق بشكل خاص الحاجة إلى إطار قانوني متين وواضح وقابل للتطوير، قادر على ضمان الاستخدام المسؤول والآمن لهذه المعطيات ذات الطابع الشخصي.

التحول الرقمي

والمغرب ينسجم تمامًا مع هذه الديناميكية. فالمملكة، التي تنتهج استراتيجية طموحة لتسريع التحول الرقمي، مدعومة بمبادرات مثل ”المغرب الرقمي“ وتعميم الهوية الرقمية وتحديث الخدمات العامة والتكامل التدريجي لحلول الذكاء الاصطناعي، تواصل انتقالها نحو اقتصاد المعرفة.

إلا أن هذا التحول الذي يولد فرصًا كبيرة لا يخلو من المخاطر، لا سيما في مجال حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. وقد شكل اعتماد القانون رقم 08-09 المتعلق حماية الأشخاص الذاتيين اتجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي خطوة رائدة في العالم العربي والأفريقي، مما جعل المغرب من أوائل الدول في المنطقة التي سنت قانونًا يخص الحق في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. كما ساهم إنشاء اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) إلى تعزيز هذه البنية المؤسسية، مما يعكس رغبة المملكة في التوفيق بين الابتكار الرقمي وتحديث الإدارة واحترام الحريات الفردية.

ومع ذلك، بعد ستة عشر عامًا من صدوره، يواجه هذا الإطار القانوني تحديات جديدة على غرار ظهور البيانات الضخمة Big Data، وخوارزميات التعلم الآلي، وشبكات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء IoT، فضلاً عن تزايد الهجمات الإلكترونية وتكثيف حركة المعطيات عبر الحدود  الأسس التقليدية للتنظيم القانوني.

في الوقت نفسه، فإن ظهور معايير دولية صارمة، على رأسها اللائحة العامة لحماية المعطيات (RGPD) للاتحاد الأوروبي، يفرض على المغرب بذل جهود للتنسيق من أجل الحفاظ على قدرته التنافسية الرقمية وجاذبيته الاقتصادية وسيادته الرقمية.

الإطار القانوني

يتقاطع هذا الموضوع مع عدة أبعاد:

•    القانوني: يتعلق بتحليل النظام القانوني المغربي ومدى توافقه مع القوانين الدولية؛

•    المؤسسي: يركز على دور ومهام اللجنة الوطنية لحمايةالمعطيات ذات الطابع الشخصي وغيرها من الهيئات التنظيمية الرقمية؛

•    التكنولوجي: يتعلق بتحديات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والتكنولوجيات الناشئة؛

•    الاجتماعي والاقتصادي: يتعلق بالثقة الرقمية والشمول الرقمي والقدرة التنافسية وجاذبية الاستثمارات؛

•    الاستراتيجي والجيوسياسي: يتعلق بسيادة الدولة على تدفقات المعلومات والمرونة الوطنية في مواجهة المخاطر الرقمية.

وفي هذا الصدد، تثار عدة أسئلة حول القضايا الرئيسية المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي واحترام الخصوصية في العصر الرقمي.

فهل نحن أمام حق مستقل ومنظم لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، أم أنه حق شامل، ترتكز ضماناته بالضرورة على مجموعة من المعايير الملائمة لسياقات استخدام متنوعة؟

وبشكل أكثر تحديدًا، في المغرب، هل يمكن للقانون رقم 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين فيما يتعلق بمعالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي أن يشكل، بمفرده، أساسًا كافيًا، بل ومعيارًا مرجعيًا، قادرًا على تنظيم بشكل فعال القضايا المتعددة التي نثيرها الرقمنة المتزايدة للمجتمع، مع ضمان معالجة المعطيات بطريقة تحترم حقوق الإنسان؟

تتناول هذه الأطروحة، في الجزء الأول، الإطار القانوني والمؤسسي الذي يحكم حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي في المغرب، ثم في الجزء الثاني، تقييم الفعالية العملية في مواجهة التغيرات الرقمية الحالية والمستقبلية.

فهل نحن أمام حق مستقل ومنظم لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أم أنه حق شامل

وهي تهدف في النهاية إلى صياغة مسارات من شأنها تعزيز النظام الوطني لتمكين المملكة من ترسيخ مكانتها بين الدول المسؤولة والمبتكرة في مجال الحوكمة الرقمية.

ثقافة وطنية

وتستند المنهجية المعتمدة في هذا البحث إلى نهج موضوعي وتحليلي ومقارن وتقييمي، مبني على محورين هما:

أولاً، سمح تحليل وثيقي معمق للنصوص التشريعية والتنظيمية والتوجيهات المتعلقة بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بالإضافة إلى مداولات اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بتحديد أسس ونطاق وحدود الإطار القانوني المغربي.

ثانياً، أجريت دراسة مقارنة مع الأنظمة الدولية، ولا سيما تلك المعمول بها في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا، من أجل تحديد أفضل الممارسات وتقييم مدى ملاءمة النظام المغربي للمعايير المعمول بها في هذا المجال. في الختام، فإن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والخصوصية هي أحد الأركان الأساسية لدولة القانون في عصر التحول الرقمي. فقد أصبحت المعطيات مورداً استراتيجياً: فهي تغذي القرارات العامة، وتهيكل النشاط الاقتصادي، وتوجه السلوكيات الاجتماعية، وتغذي التقنيات الناشئة.

في هذا السياق، لم يعد احترام الخصوصية مجرد حق ثانوي، بل أصبح ضمانة أساسية للحرية الفردية والكرامة الإنسانية. وضع الإطار القانوني المغربي، الذي يستند إلى القانون رقم 08-09 والدور المركزي للجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ، حجر الأساس لنظام حماية.

ومع ذلك، تكشف التغيرات التكنولوجية السريعة عن أوجه القصور في نظام تم تصميمه قبل انفجار العصر الرقمي الحديث. وتبدو الحاجة إلى إصلاح شامل ومتسق اليوم ضرورية لضمان حماية فعالة حقًا، لا سيما فيما يتعلق بالمعطيات الحساسة والمعطيات الصحية والمعالجة الآلية على نطاق واسع.

في الختام، فإن حمايةالمعطيات ذات الطابع الشخصي والخصوصية هي أحد الأركان الأساسية للدولة.

وبعيداً عن القانون الوضعي، فإن الحماية الحقيقية للمعطيات ذات الطابع الشخصي تعتمد على بناء ثقافة وطنية للسرية، تشمل جميع الأطراف الفاعلة: الإدارات والشركات والمؤسسات التعليمية والمواطنين.

ولن يتمكن المغرب من إرساء ثقة رقمية مستدامة، وهي شرط أساسي لتنميته الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، إلا من خلال الجمع بين إطار قانوني حديث وآليات رقابة معززة ووعي جماعي بقيمة المعلومات.

وبالتالي، فإن حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تعني تأكيد خيار مجتمعي: خيار نموذج يتم فيه نشر الابتكار التكنولوجي دون التضحية بتاتاً بالحقوق الأساسية. وهو، في النهاية، إرساء توازن متناغم بين التقدم والحرية، حيث يصبح التحكم في المعلومات التعبير الأكثر معاصرة عن احترام كرامة الإنسان.

المقال السابق
الصحة الرقمية: تعرف على الخطوات الأساسية لاستخدام آمن للمعطيات ذات الشخصي في الأبحاث العلمية
المقال التالي
حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحق في الحصول على المعلومات: جامعة ابن زهر تنضم إلى اتفاقية Data Tika و البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :