بحث

اختر السمة:

CNDP ترسخ “الخصوصية منذ التصميم” كضرورة مطلقة لحماية المعطيات في عصر البيانات الضخمة 

تتواصل ضمن فعاليات GITEX Africa Morocco 2026 النقاشات حول مستقبل الثقة الرقمية وحكامة المعطيات، في سياق يتسم بتنامي الاعتماد على البيانات الضخمة، حيث برزت إشكالية التوفيق بين متطلبات الابتكار وضمان حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي كأحد أبرز محاور الندوات الفكرية.

وفي هذا الإطار، تواصل اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي تأطير هذا النقاش من خلال مشاركتها في عدد من الندوات، حيث قدمت فردوس مثقال، مكلفة بمهمة لدى اللجنة، عرضا تمحور حول موقع حماية المعطيات في المنظومة الرقمية، مبرزة أن هذا المجال لا ينبغي أن ينظر إليه كقيد يحد من الابتكار، بل كرافعة أساسية لترسيخ الثقة وضمان استدامة التحول الرقمي.
وأوضحت المتدخلة أن بعض الفاعلين يعتبرون حماية المعطيات عائقا، غير أن المقاربة السليمة تقتضي إعادة النظر في هذا التصور، من خلال اعتبارها إطارا تنظيميا يواكب التطور التكنولوجي ويؤطره. وفي هذا السياق، شبهت قانون حماية المعطيات بقانون السير، الذي لا يعد عائقا أمام حرية التنقل، بل آلية لتنظيمها وضمان سلامة الجميع، مؤكدة أن المعطيات، كغيرها من الموارد الحساسة، تتطلب استعمالا مسؤولا ومقننا.

خصوصيات المهن

وفي هذا الصدد، استعرضت مثقال المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها القانون 08-09، لاسيما مبدأ الملاءمة الذي يفرض على المسؤول عن المعالجة عدم جمع معطيات تفوق الحاجة المرتبطة بالغرض المحدد، إلى جانب مبدأ التناسب، الذي يهدف إلى الاقتصار على جمع الحد الأدنى و الضروري من المعطيات. واعتبرت أن هذه المبادئ تشكل أساسا لتحقيق توازن دقيق بين النجاعة الاقتصادية وحماية الحقوق والحريات الفردية.

كما أكدت أن دور اللجنة لا يتمثل في حماية المعطيات بشكل مباشر، بل في مراقبة مدى احترام المسؤولين عن المعالجة للمقتضيات القانونية، مبرزة أن المؤسسة اعتمدت في المقابل مقاربة قائمة على المواكبة، من خلال تطوير آليات عملية، من بينها اعتماد نظام “الأقطاب” الذي يراعي خصوصيات مختلف المهن والقطاعات، كالأطباء والموثقين والمحامين…، بما يتيح استجابة أكثر دقة لحاجيات الفاعلين.

وفي بعد اقتصادي، شددت المتدخلة على أن احترام قواعد حماية المعطيات يشكل عاملا حاسما في بناء الثقة بين المقاولة وزبنائها، موضحة أن أي إخلال بهذه القواعد قد يؤدي إلى فقدان هذه الثقة، وبالتالي إلى عزوف المستخدمين عن تقاسم معطياتهم، وهو ما ينعكس سلبا على الدينامية الرقمية. وأعطت مثالا بالمواقع الإلكترونية التي لا توضح هوية المسؤول عن المعالجة أو الغاية من جمع المعطيات، والتي تثير شعورا بعدم الأمان لدى المستخدم، على غرار تلك التي تعتمد الشفافية وتحدد بوضوح سياساتها.

إرساء توازن

وعلى المستوى التقني، أبرزت مثقال أهمية التمييز بين تقنيات إخفاء الهوية (Anonymization) واستخدام الأسماء المستعارة (Pseudonymization)، موضحة أن الأولى تجعل من المستحيل إعادة تحديد هوية الشخص، في حين تتيح الثانية إمكانية العودة إلى المعطيات الأصلية عبر مفاتيح معينة. وأشارت إلى أن المعطيات المجهولة الهوية لا تدخل ضمن نطاق تطبيق القانون 08-09، مما يفتح المجال أمام استثمارها في مجالات متعددة، كإعداد التقارير، وتبادل البيانات، وتحليل توجهات السوق.

وفي هذا السياق، أكدت أن توظيف البيانات الضخمة يظل رهينا بإرساء توازن بين الوسائل التقنية والتنظيمية لإدارة المخاطر، خاصة عند التعامل مع كميات كبيرة من المعطيات، حيث تختلف طبيعة المخاطر باختلاف حجم المعالجة، مشددة على أن المقاربة الوقائية تظل الأساس لضمان سلامة النظم المعلوماتية.

من جهة أخرى، تم خلال الندوة تسليط الضوء على تجارب دولية في مجال حماية المعطيات، من بينها تجربة النيجر، التي اعتمدت إطارا قانونيا متطورا يواكب التحولات الرقمية، ويؤطر عمليات معالجة المعطيات من خلال مبادئ الشفافية، والموافقة، وحق الولوج، وضمان أمن المعطيات ونقلها.


كما تم التطرق إلى الدور المحوري للبيانات الضخمة في دعم السياسات العمومية، حيث تتيح هذه التقنيات تحليل كميات هائلة ومتنوعة من المعطيات لاستشراف التوجهات واتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة، سواء في مجالات الصحة أو التعليم أو التخطيط الديمغرافي، بما يساهم في تحسين جودة الخدمات وتعزيز فعالية التدخلات العمومية.

وخلصت أشغال هذه الجلسة إلى التأكيد على أن الثقة تظل حجر الزاوية في أي تحول رقمي ناجح، وأن حماية المعطيات ليست مجرد التزام قانوني، بل عنصر بنيوي في بناء منظومة رقمية متوازنة، قادرة على تحقيق الابتكار مع صون الحقوق والحريات، في أفق ترسيخ نموذج رقمي مستدام يخدم المواطن والاقتصاد على حد سواء.

المقال السابق
CNDP : GITEX AFRICA تسلط الضوء على تحديات التدبير الفعال للمعطيات و رهانات السيادة الرقمية
المقال التالي
GITEX AFRICA 2026: وزراء يؤكدون أهمية السيادة السحابية و يدعون لشراكة أورو-أفريقية لتعزيز التحكم في المعطيات

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :