مع كل موسم دخول مدرسي وجامعي، تتكرر مشاهد نشر لوائح التلاميذ والطلبة المقبولين، سواء عبر إعلانات ورقية داخل أسوار المؤسسات التعليمية، أو عبر مواقع إلكترونية ومنصات رقمية. ممارسة تبدو للوهلة الأولى إجراء إداريا روتينيا لا يثير أي إشكال، غير أنها تخفي في العمق أسئلة حساسة مرتبطة بحدود حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي. فالمعلومات المعروضة داخل فضاء المدرسة أو الجامعة، وفي مقدمتها أسماء التلاميذ والطلبة كاملة أو جزء منها، قد تكشف عن معطيات تدخل ضمن نطاق الحياة الخاصة، وقد تتحول، إن نشرت خارج الغرض الذي جمعت من أجله، إلى مصدر خطر حقيقي على خصوصية الفئات المعنية.
وليست هذه المخاوف نظرية محضة، إذ سبق للساحة الرقمية المغربية أن عاشت واقعة مشابهة حين تم تداول محاضر خروج خاصة بالأساتذة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهي وثائق إدارية تتضمن أسماء وتوقيعات، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول حدود المسؤولية عند تصوير الوثائق الإدارية ونشرها في الفضاء الرقمي، ومدى احترام قواعد حماية المعطيات الشخصية في هذا السياق. وهو ما تناولته بالتفصيل منصة “ثقتنا” في مقال بعنوان “عندما تتحول وثيقة إلى محتوى على مواقع التواصل: كيف يتحقق التوازن بين الحق في الحصول على المعلومة وحماية المعطيات الشخصية؟”.
ومع الدخول المدرسي والجامعي الحالي، تعود الأسئلة ذاتها إلى الواجهة: أين تقف الحدود الفاصلة بين حق الأفراد في الاطلاع على المعلومات التي بحوزة الإدارات العمومية، والمدارس والجامعات في صلب الموضوع، وحق الأشخاص في حماية معطياتهم ذات الطابع الشخصي؟
الحد الأدنى
تؤكدCNDP أن الممارسات الفضلى التي ينبغي اعتمادها بشكل عام داخل المؤسسات التعليمية والجامعية، مع حلول موسمي الدخول المدرسي والجامعي، تنطلق أساسا من مقتضيات القانون رقم 08-09 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، ويمكن إجمالها فيما يلي:
- جمع الحد الأدنى من المعطيات، وتجنب طلب وثائق أو معلومات غير مرتبطة مباشرة بالغرض التربوي أو الإداري، أو جمع معطيات شخصية تفوق ما هو ضروري لغرض التسجيل، عملا بمبدأ الملاءمة والتناسب المكرس بموجب القانون رقم 08-09.
بالنسبة للمواقع الإلكترونية، ينبغي اعتماد ولوج محدود ومؤمن بدل نشر لوائح التلاميذ بشكل مفتوح
- تضمين مطبوعات التسجيل الموجهة لإعلام الأولياء والمتعلمين بندا واضحا يوضح هوية المسؤول عن المعالجة، والغرض من جمع المعطيات، والجهات المستفيدة منها، ومدة الاحتفاظ بها، إضافة إلى حقوق الأشخاص المعنيين: حق الولوج، وحق التصحيح، وحق الاعتراض.
- الحصول على موافقة مسبقة صريحة ومكتوبة وقابلة للسحب في أي وقت من أولياء أمور الأبناء، قبل نشر أسمائهم أو صورهم أو مقاطع فيديو لهم خلال الأنشطة المدرسية، مع تفادي النشر الإلكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
الغرض الإداري
على مستوى الدخول الجامعي تحديدا، تشدد CNDP على ضرورة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحياة الخاصة للطلبة من خلال جملة من الإجراءات:
- تنظيم نشر لوائح أسماء الطلبة المقبولين بما يحقق الغرض الإداري، دون إفراط في نشر المعطيات.
- الاقتصار على المعلومات الضرورية فقط، وتجنب نشر رقم البطاقة الوطنية، أو رقم الهاتف، أو العنوان، أو تاريخ الازدياد.
- اعتماد رمز أو رقم تسجيل بدل الاسم الكامل للطالب، خصوصا في اللوائح المنشورة إلكترونيا.
- تحديد مدة نشر اللوائح، وحذفها بعد انتهاء الغرض منها.
- اتخاذ تدابير لمنع فهرسة اللوائح من طرف محركات البحث عندما تكون منشورة إلكترونيا.
- توفير فضاء رقمي شخصي ومؤمن للاطلاع على نتائج التوجيه والتسجيل، عوض النشر المفتوح.
نشر آمن
أما بخصوص حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي والحياة الخاصة للتلاميذ عند الدخول المدرسي، فتوصي CNDP بما يلي:
- عدم نشر لوائح تتضمن، إلى جانب الاسم، معطيات شخصية إضافية غير ضرورية.
- تجنب نشر معلومات قد تكشف الوضعية الاجتماعية أو الصحية أو الأسرية للتلميذ.
- وضع لوائح التلاميذ في مكان يضمن، قدر الإمكان، اطلاع المعنيين فقط عليها، وداخل المؤسسة التعليمية.
بالنسبة للمواقع الإلكترونية، اعتماد ولوج محدود ومؤمن بدل نشر لوائح التلاميذ بشكل مفتوح.
- اعتماد رقم التسجيل أو رمز خاص كلما أمكن ذلك، خصوصا بالنسبة للنشر الإلكتروني.
- إزالة اللوائح بعد انتهاء الحاجة إليها، وعدم الاحتفاظ بها منشورة على الموقع بشكل دائم.
- تجنب تصوير اللوائح أو إعادة نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي الممارسة التي تتكرر سنويا رغم ما تحمله من مخاطر على خصوصية التلاميذ.
فبين حق الإدارات التعليمية في التواصل الشفاف مع محيطها، وحق التلاميذ والطلبة في حماية معطياتهم الشخصية، تبقى الكلمة الفصل لمبدأ التناسب: نشر ما يلزم فقط، بالقدر الذي يلزم، وللمدة التي تلزم، دون زيادة.
في سطور:
مبدأ التناسب: جمع الحد الأدنى فقط من المعطيات المرتبطة بالغرض التربوي أو الإداري، دون طلب وثائق أو معلومات زائدة.
موافقة الأولياء: الحصول على موافقة صريحة، مكتوبة، وقابلة للسحب، قبل نشر أسماء أو صور أو فيديوهات التلاميذ.
معطيات محظورة في اللوائح: تجنب نشر رقم البطاقة الوطنية، الهاتف، العنوان، تاريخ الازدياد، أو أي معطى يكشف الوضعية الاجتماعية أو الصحية أو الأسرية.
نشر مؤمن ومحدود في الزمن: اعتماد رمز أو رقم تسجيل بدل الاسم الكامل، وولوج محدود عبر المواقع الإلكترونية، وحذف اللوائح فور انتهاء الغرض منها.
منع إعادة التداول: عدم تصوير اللوائح أو إعادة نشرها على شبكات التواصل الاجتماعي، ومنع فهرستها من طرف محركات البحث عند النشر الإلكتروني.