بحث

اختر السمة:

مصطفى الناوي يشرح: “الفصل 27 من الدستور: الحق في الحصول على المعلومات”

مصطفى الناوي، ممثل عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان بلجنة الحق في الحصول على المعلومات

يخصص دستور 2011 المغربي الفصل 27 منه للحق في الحصول على المعلومات. ويندرج هذا الفصل ضمن الباب الثاني من الدستور والمرصود بمجمل فصوله الإحدى والعشرين (هي الفصول من 19 إلى 40) للحريات والحقوق الأساسية، والذي تتبين من خلاله بكل جلاء الأهمية التي أولاها واضعو دستور 2011 للحقوق والحريات بعامة، والحرص على التأصيل والتفصيل الدستوريين لهذه الحقوق والحريات، مع النص، عند الاقتضاء، على إحداث آليات لحمايتها والنهوض بها ورصد احترامها والوقاية من انتهاكها.

ويعد دستور 2011 أول دستور مغربي يقر “الحق في الحصول على المعلومات” باعتباره حقا قائما بذاته، متميزا عن الحقوق المتصلة بحرية الصحافة متمثلة أساسا في الحق في الخبر والحق في الإخبار[1]. من ثم، فإن إفراد فصل بكامله له واعتباره حقا دستوريا يكتسيان أهمية كبرى[2] اعتبارا للسياق الدولي والوطني الذي جاء فيه ولما يجسده، بالنظر إلى ما يُفترض أن يتحقق من خلاله من أهداف وغايات من جهة، وإلى مستلزمات تكامل مضامين الدستور ومقتضياته وتناغمها، من جهة أخرى.

لذلك، سوف يكون من المفيد قراءة هذا الفصل من خلال إثارة بعض الأسئلة الجوهرية التي يكون من شأنها أن تساعد على قراءته.

ما المقصود بالحق في الحصول على المعلومات؟

يقصد بالحق في الحصول على المعلومات حق كل شخص في الحصول المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات والمؤسسات والمرافق العمومية، والمؤسسات المنتخبة، والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام. وتوجد هذه المعلومات في حوزتها عمليا إما لأنها أنتجتها، أو لأنها توصلت بها من جهة أخرى، أو لأنها تتصل بشكل ما بكيفية اشتغالها وخططها ومشاريعها وقراراتها وحصيلة عملها، وما إلى ذلك.

والمعلومات المقصودة، كما يستفاد من صياغة الفصل 27 المذكور، هي المعلومات العامة أو، بعبارة أوضح، المعلومات ذات الطابع العام، وليس المعلومات أو الوثائق الشخصية المتعلقة بطالب المعلومات والتي تعتبر حقا أصيلا له يمارسه وفق المساطر القانونية الجاري بها العمل ولا يحتاج بشأنه إلى إقرار دستوري. إنها معلومات ـ ووثائق ـ متصلة بتدبير الشأن العام، وطنيا كان أو جهويا أو محليا.


“الشفافية والنزاهة تقتضيان أن توضع المعلومات والمعطيات والبيانات والوثائق المتصلة بتدبير الشأن العام رهن إشارة الجميع بكافة الوسائل المتاحة.”

— مصطفى الناوي

ويستمد الأشخاص حقهم في الحصول عليها من كونها تعنيهم في عمومهم، إلى هذا الحد أو ذاك، بمقدار ما يعنيهم الشأن العام والحياة العامة في مختلف أبعادها المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والصحية…، وبمقدار ما يعنيهم ازدهارهم الفردي والجماعي في إطارها، وضمان العيش الكريم والارتقاء بمستوى العيش والرفاه والاستفادة المشتركة والمتساوية، العادلة والمنصفة، من المنافع المتوفرة والسياسات المنتهجة والقرارات المتخذة من خلال مشاريع وخطط، “حتى لا يبقى أحد وراء الركب”، أي متروكا لحاله ومصيره الخاص.

ما هي الغايات الأساسية المتوخاة من إقرار الحق في الحصول على المعلومات؟

لئن كان دستور 2011 قد أقر الحق في الحصول على المعلومات بكيفية صريحة، فإنه لم يفعل ذلك إلا ليضمن من خلاله الانسجام والتكامل المطلوبين بين مقتضياته، من جهة، وليحقق عن طريقه، في ذات الوقت، غايات مترابطة وردت في تصديره وفي عدد من مواده، وتخللت مسالك روحه، واتخذت شكل مبادئ دستورية ومعايير يمكن إعمالها والانطلاق منها والسعي إلى تحقيقها في شتى المجالات والسياقات. ونذكر من هذه المبادئ على وجه الخصوص ما يمكن أن يشكل غايات مباشرة للحق في الحصول على المعلومات:

1ـ المشاركة والتعددية: ورد النص عليهما منذ الفقرة الأولى من تصدير الدستور. ومؤداهما أن جميع المغاربة، على تعدد مشاربهم ورؤاهم وآرائهم واختياراتهم…، معنيون، على قدم المساواة، بالمشاركة في الحياة العامة والشأن العام. وإذا كان من الصعب، من الناحية العقلية والعملية، تصور مشاركتهم جميعا في وقت واحد في تدبير الشأن العام، فلا أقل من أن يكونوا، في كل حين، على علم بما يُتخذ ـ باسمهم و/أو لفائدتهم و/أو على حسابهم، من قرارات وما يتحقق من أعمال وأفعال في إطار هذا التدبير. وعلى هذا النحو، يمكن اعتبار ضمان الحق في الحصول المعلومات ـ إن جاز القول ـ بمثابة أضعف الإيمان في مضمار المشاركة في الحياة العامة وفي تدبير الشأن العام.   

2ـ الشفافية والنزاهة: تستفادان، صراحة وضمنا من العديد من مقتضيات الدستور، باعتبارهما مبدأين يؤطران مختلف السياسات العمومية وقاعدتين منهجيتين تحكمان عمل الهيئات والمؤسسات الكلفة بتدبير الشأن العام، بل إن الدستور ينص، في هذا السياق وتعزيزا لهما، على إحداث هيأة خاصة بالنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها )الفصلان 36 و167( ، كما ينص في الفقرة الثانية من الفصل 154 منه على أن المرافق العمومية تخضع “لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية…”؛ 

“يعتبر ربط المسؤولية بالمحاسبة من المبادئ الأساسية التي تميز دستور 2011 بالنص الصريح عليها“

3ـ الحكامة الجيدة (أو الرشيدة كما يسميها البعض): ورد النص عليها في التصدير وعدد من المقتضيات، كما أفرد لها الدستور بابا خاصا بها هو الباب الثاني عشر منه، والمتضمن للفصول من 154 إلى 171، مع النص على إحداث هيئات ومؤسسات لحمايتها والنهوض بها ومراقبتها وتقييم مدى التقيد والاسترشاد بقواعدها وضوابطها؛

4ـ ربط المسؤولية بالمحاسبة: يعتبر هذا المبدأ من المبادئ الأساسية التي تميز دستور 2011 بالنص الصريح عليها، إن في تصديره أو في عدد من مقتضياته. ومؤداه أن يكون بالإمكان قانونا مساءلة كل مسؤول، أيا كان وأيا كانت طبيعة مسؤوليته، عن كل فعل أو امتناع غير قانوني و/أو غير مشروع يصدر عنه خلال ممارسته لمسؤوليته وبمناسبتها، أو بفضل ما تخوله له من سلطات أو توفره له من وسائل وموارد وإمكانيات.

إن هذه المبادئ الأساسية في كل دولة قانون وفي كل نظام ديمقراطي أو ساع إلى الديمقراطية، يمكن القول إن الحق في الحصول على المعلومات يعد من الخيوط الأساسية التي تربط فيما بينها تماما مثل الخيط الذي يشد عقيق القلادة بعضه إلى بعض. فالشفافية والنزاهة تقتضيان أن توضع المعلومات والمعطيات والبيانات والوثائق المتصلة بتدبير الشأن العام رهن إشارة الجميع بكافة الوسائل المتاحة، تبديدا للشكوك ودفعا لتلفيق الأخبار الزائفة وقطعا لدابر المغالطات والشائعات… وممارسة الحق في الحصول على المعلومات تسمح بالوقوف ـ في المنبع ودون وسائط ـ عند ما إذا كانت هنالك حكامة جيدة، وعند مدى “جودة” الحكامة، وما يشوبها من اختلالات ونواقص… كما أن ربط المسؤولية بالمحاسبة يتحقق، إلى حد كبير، بفضل المطالبات والأعمال التي يبلورها المجتمع على إثر “ما يحصل عليه من معلومات ومعطيات…” تبرر المساءلة والمحاسبة… وعلى هذا النحو، يتحقق جانب أساسي من جوانب الديمقراطية التشاركية.

هل الحق في الحصول على المعلومات حق مطلق؟     

من البديهي أن الحق في الحصول على المعلومات لا يمكن أن يكون حقا مطلقا، أي أن يشمل جميع المعلومات والبيانات والمعطيات مهما كان نوعها ومجالها. لذلك تفرض عليه بالضرورة جميع النظم القانونية، ولو بأشكال مختلفة وبدرجات متفاوتة، بعض القيود والحدود، وبعض الاستثناءات من خلال تحديد المجالات التي لا يمكن أن يشملها أو أن تخضع له.

“لا يمكن تقييد الحق في الحصول على المعلومات إلا بقانون. معناه أن مبدأ الإتاحة هو الأصل“

ولئن كان الفصل 27 من الدستور، ينص في الفقرة الأولى منه على الحق في الحصول على المعلومات باعتباره أصلا وقاعدة، فإنه يخصص الفقرة الثانية منه للقيود والاستثناءات التي يمكن أن ترد عليه. ويتميز نص الفصل المذكور على هذه القيود بخاصيتين بالغتي الأهمية :

تتمثل الخاصية الأولى في أنه لا يمكن تقييد الحق في الحصول على المعلومات إلا بقانون. معناه أن مبدأ الإتاحة هو الأصل، وأن الحق في الحصول على المعلومات لا يمكن أن يكون بالتالي، رهينا بالسلطة التقديرية للهيئة أو المؤسسة الحائزة للمعلومة أو بمزاج المسؤول المكلف بإعطاء المعلومة لمن يطلبها، ما دام القانون هو المرجع الوحيد لتحديد عدم أحقية الحصول عليها بصفة كلية أو جزئية؛

وتتجلى الخاصية الثانية في أن التقييد والاستثناء ليسا هدفين في ذاتهما، بل إنهما لا يفرضان إلا استجابة لمستلزمات أخرى ومن أجل تحقيق غايات أخرى تتمثل، حسب نص الفصل 27، في:

  • حماية كل ما يتعلق بالدفاع الوطني؛
  • حماية أمن الدولة الداخلي والخارجي؛
  • الحياة الخاصة للأفراد؛
  • الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور؛
  • حماية مصادر المعلومات والمجالات التي يحددها القانون بدقة.

وخلاصة القول إن اعتبار الحصول على المعلومات حقا ـ دستوريا فضلا عن ذلك ورهانا من رهانات حقوق الإنسان الأساسية ـ يرتب على الدولة ثلاث التزامات أساسية تتعلق باحترام هذا الحق، وبحمايته، وبتفعيله وضمان فعليته؛ لكن فعاليته ونجاعة إقراره واستجابته للغايات المتوخاة منه، كل ذلك يبقى في نهاية المطاف رهينا بالممارسة السليمة له من قبل جميع الأطراف.

وهذا ما يمكن معاينته من خلال القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات الذي صدر بتاريخ 22 فبراير 2018 بناء على الفصل 27 المذكور ليحدد:

ـ المؤسسات والهيئات المعنية به؛

ـ المقصود بالمعلومات ونطاقها؛

ـ من له الحق في طلب المعلومات؛

ـ شروط استعمال المعلومات وإعادة استعمالها؛

ـ الاستثناءات الواردة على هذا الحق؛

ـ تدابير النشر الاستباقي للمعلومات والوثائق دونما حاجة إلى طلب؛

ـ التزامات الهيئات والمؤسسات المعنية باتخاذ التدابير اللازمة من أجل تيسير ممارسة هذا الحق بما فيها تعيين الأشخاص المكلفين بتلقي الطلبات ومعالجتها؛

ـ إجراءات الحصول على المعلومات والمساطر والآجال وطرق الطعن؛

ـ لجنة الحق في الحصول على المعلومات والعضوية فيها؛

ـ العقوبات في حال الامتناع بسوء نية عن تقديم المعلومات، وإفشاء السر المهني وكل استعمال غير مشروع للمعلومات المحصل عليها.

فالوقوف عند هذا القانون وتطبيقاته هو الذي سوف يمكننا من معرفة إلى أي حد جاء منسجما مع الفصل 27 من الدستور ومستجيبا للغايات المتوخاة من إقرار هذا الحق الدستوري المحوري.

[1] لا يرد النص على هذا الحق في جميع الدساتير بسبب تأخر بلورته على صعيد المجتمع الدولي بصفته حقا قائما بذاته بالمعنى الذي نعرفه به اليوم وبالمحددات التي بات يتحدد من خلالها في الظرف الراهن. يكفي أن نشير إلى أن دستور 1958 الفرنسي لا يتطرق إليه، وأنه لا ينبثق سوى عن الكتلة الدستورية Le bloc de la constitutionnalité متمثلة في هذه الحالة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن لسنة 1789 الذي نصت المادة 15 منه على أنه “يحق للمجتمع أن يحاسب )أو بالحرف: أن يطلب الحساب من( كل عون عمومي عامل في إدارته”. وهي المادة التي سوف يستند عليها المجلس الدستوري الفرنسي في قراره عدد 834ـ2020 المؤرخ في 3 أبريل 2020 للارتقاء بالحق في الولوج إلى الوثائق الإدارية إلى مرتبة حق دستوري. وكان قد بت قي هذه “المسألة الدستورية ذات الأولوية” Question prioritaire de constitutionnalité بناء على إحالة مجلس الدولة الفرنسي للطلب الذي رفعه إليه الاتحاد الوطني لطلبة فرنسا بتاريخ 16 يناير من نفس السنة بخصوص مدى مطابقة المادة ل. 612ـ3 من مدونة التربية في صياغتها المستمدة من القانون رقم 2018ـ166 المؤرخ في 8 مارس 2018، المتعلق بمدى قابلية الخوارزميات المفترض استعمالها من قبل مؤسسات التعليم العالي لمعالجة الترشيحات التي تتوصل بها المنصة الرقمية المعدة لهذا الغرض.    

[2] يمكن القول دون مجازفة إن دسترة هذا الحق بمقتضى دستور 2011 قد جاءت ـ إلى حد كبير ـ مسايرة للمسار الدولي الذي ساعد على تبلور هذا الحق وتبلره واستجابة لمطالب وتطلعات ومساع ومبادرات مجتمعية تتوخى إقراره وحمايته، لا يتسع المجال للتفصيل فيها.    

المقال السابق
من الرباط إلى عواصم العالم: CNDP تُعزّز دور المغرب في ترسيخ ثقافة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي افريقيا ودولياً
المقال التالي
بقلم خالد اليعقوبي : “الحق في إتاحة المعلومات من أجل توازن موضوعي بين مشروعية الشفافية ومشروعية حماية الأسرار”

مقالات متعلقة بهذا الموضوع :