دور التحسيس والتوعية في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي
دور التحسيس والتوعية في حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي
بقلم: لحسن مادي
عضو اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي
يعتبر التحسيس والتوعية من بين الآليات الأساسية لبناء ثقافة واعية تهدف إلى حماية المعطيات الشخصية. هذه الثقافة الجديدة التي أصبحت ضرورية في ظل التطور السريع لمختلف وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي، وخاصة مع بروز الذكاء الاصطناعي، من المفروض أن تتحول إلى سلوكات حياتية قابلة للتفعيل، لا تأتي من فراغ، بل تتأسس عبر إجراءات تكوينية عملية منظمة ولقاءات تواصلية هادفة تتوفر لها شروط النجاح. وفي هذا السياق فاللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP) تقوم، في هذا الاتجاه، بمجهود كبير يتجلى بالأساس في تنظيم دورات تكوينية ولقاءات تواصلية هادفة وإنتاج أدوات ديداكتيكية متنوعة، مستهدفة مختلف الأعمار والمستويات التعليمية في جميع أنحاء المغرب.
وفي هذا الإطار يتبار إلى ذهننا عدة تساؤلات لابد من توضيحها وهي كالتالي:
ماذا نعني بالمعطيات الشخصية؟
ما هي أهميتها؟
كيف يمكن المحافظة عليها؟
ما هي المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة على هذه المعطيات، وما هو دور التحسيس والتوعية في اكتساب سلوكات وتصرفات تسمح بتجنب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة على المعطيات الشخصية؟
وكيف يمكن لنا عمليا بناء سلوكات وتصرفات لذى مختلف الفئات المستهدفة لتجنب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة على المعطيات الشخصية؟
ماذا نعني بالمعطيات ذات الطابع الشخصي؟
يمكن أن نميز بين نوعين من المعطيات الشخصية: المعطيات الشخصية العامة والمعطيات الشخصية الحساسة. وسنحاول أن نوضح كل نوع على حدة من هذه المعطيات حسب ما جاء في القانون الأساسي 08-09 المنظم للجنة الوطنية لمراقبة المحافظة على المعطيات ذات الطابع الشخصي.
المقصود بـ المعطيات الشخصية العامة (Les données à caractère personnel) هو كل معلومة، كيفما كان شكلها أو طبيعتها، يمكن أن تُميز أو تُعرّف بشخص معيَّن، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. ونعني بذلك على سبيل المثال:
الاسم الكامل؛
– العنوان؛
رقم الهاتف؛
البريد الإلكتروني؛
رقم بطاقة التعريف الوطنية أو جواز السفر؛
الصورة الشخصية أو بصمة الأصابع أو الصوت (معطيات بيومترية)؛
المعلومات الصحية أو الاجتماعية أو المهنية؛
الوضع العائلي، تاريخ الميلاد، الجنس؛
رقم الحساب البنكي أو أي بيانات مالية؛
بيانات التتبع الرقمي مثل: الموقع الجغرافي، أو بيانات التصفح على الإنترنت؛
البيانات الجنائية…
بمعنى آخر فالمعطيات الشخصية تعني كل معلومة يمكن أن تسمح بالتعرف عليك أو ربطها بك كشخص فهي تسمى: معطى شخصي.
“حماية المعطيات الشخصية هي قبل كل شيء مسؤولية شخصية.”
— لحسن مادي
المعطيات الحساسة هي معطيات ذات طابع شخصي تبين الأصل العرقي أو الإثني أو الآراء السياسية أو القناعات الدينية أو الفلسفية أو الانتماء النقابي أو الحزبي أو الأمراض الشخصية للمعني أو تكون متعلقة بصحته بما في ذلك المعطيات الجينية. هذه المعطيات تعتبر حساسة لأنها تكشف أشياء دقيقة عن الشخص وبالتالي إذا ما تسربت يمكن أن تؤدي إلى تمييز أو ضرر اجتماعي أو نفسي…
إذن فالمعطيات الحساسة سميت بهذا الاسم لأنها معلومات شخصية يمكن أن تسبب ضررا كبيرا لصاحبها إذا تم التعرف عليها واستعملت بطريقة غير صحيحة أو وصلت لأشخاص غير موثوقين.
ويمكن القول إنه سواء تعلق الأمر بالمعطيات الشخصية العادية أو المعطيات الشخصية الحساسة فإن لها أهمية كبيرة في حياة الإنسان وبالتالي يجب عدم التفريط فيها بل تستوجب المحافظة عليها.
أهمية المعطيات ذات الطابع الشخصي
بصفة عامة، بما أن هذه المعطيات تتعلق بالجانب الشخصي للفرد، فالاطلاع عليها من طرف الآخرين يشعر هذا الشخص بانتهاك خصوصيته وبالتالي يمكن استعمالها ضده في التلاعب بشخصيته وابتزازه وفرض أمور غير مقبولة عليه. وفي هذا السياق فإن العناية بها والحفاظ عليها، خاصة مع تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة، أمر ذو أهمية من أجل حياة آمنة لتجنب أي مخاطر يمكن أن تنتج عن تفشيها والتلاعب بها.
لابد من التذكير أولا أن حماية المعطيات هي مسؤولية شخصية. فكل واحد منا مسؤول عن حماية معطياته. وإلى جانب هذه المسؤولية الفردية، فالدولة المغربية أسست لجنة وطنية تحت اسم اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP). وهي هيئة أنشئت بموجب القانون رقم 09.08 الصادر في 18 فبراير 2009. وقد تكلفت هذه اللجنة الوطنية بإعمال أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه والسهر على التقيد به. وطبقا للمادة 29 من القانون رقم 09.08: “تقوم اللجنة الوطنية بمهمة دائمة لإخبار العموم والأشخاص المعنيين بحقوقهم والتزاماتهم التي ينص عليها هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه.”
و يخول القانون للأفراد حق الولوج إلى معطياتهم وتصحيحها، ويمكنهم من حماية حياتهم الخاصة من أي انتهاك قد ينجم عن سوء استخدام هذه المعطيات، وتخزينها، ويحدد الضوابط المتعلقة بالموافقة، وتحديد الأغراض المشروعة لهذه المعالجة.
جملة من المخاطر
بعد تقديم المعطيات النظرية العامة حول ماهية المعطيات الشخصية والمسؤولية الشخصية في المحافظة عليها ودور الهيئة الوطنية في ذلك حسب القانون المنظم لها والتي من الضروري الإلمام بها نوضح، باختصار شديد، جملة من المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة على المعطيات ذات الطابع الشخصي، ودور التحسيس والتوعية في اكتساب سلوكات وتصرفات تسمح بتجنب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة عليها.
يمكن عمليا بناء سلوكات وتصرفات لدى مختلف الفئات المستهدفة لتجنب المخاطر
كثيرة هي أنواع المخاطر التي يمكن أن يتسبب فيها تواجد المعطيات الشخصية في أيادي جهات غير آمنة وغير موثوقة. هذه المعطيات يمكن توظيفها من طرف هذه الجهات في أمور تسيئ إلى سمعة الشخص طوال حياته كما يمكن استعمال وثائقه في أشياء لا علم له بها وتوظيف اسمه في ارتكاب أحدات لا صلة له بها مما يتطلب من كل فرد الكثير من الحذر والعناية القصوى لتجنب معطياته الشخصية من الوصول إلى هذه الجهات. وحتى يتمكن كل واحد من مواجهة هذا النوع من المخاطر لابد من الوعي بها وبكل ما يمكن أن ينتج عنها. وفي هذا السياق يأتي برنامج التحسيس والتوعية الموجه إلى مختلف الفئات العمرية والتعليمية كمدخل أساسي لبناء سلوكات تسمح بالمحافظة على المعطيات الشخصية.
ويمكن عمليا بناء سلوكات وتصرفات لدى مختلف الفئات المستهدفة لتجنب المخاطر التي يمكن أن تنتج عن عدم المحافظة على المعطيات الشخصية باعتماد سيرورة التكوين لاكتساب مهارات معينة لذلك فأن التمكن من المعطيات النظرية وحدها غير كاف لاكتساب المهارات والكفاءات التي يمكن للشخص توظيفها في معالجة مشكلة فعلية.
وفي هذا السياق تأتي برامج التكوين و التوعية “كون على بال” التي تشرف عليه CNDP في مختلف أنحاء المغرب بمقاربة تشاركية وفعالة مع مختلف الفاعلين الجهويين والمحليين من تلاميذ وأساتذة والآباء والأمهات والإداريين التربويين حيث يتم خلال كل لقاء مع التلاميذ تقديم، من طرف المشرفات على التكوين، معطيات نظرية مبسطة تخص كيفيةالمحافظة على المعطيات الشخصية ثم الاشتغال في ورشات للإنتاج يليها تقاسم المنتوج وتقديم الخلاصات.