أكد رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، عمر السغروشني، أن حماية المعطيات لم تعد مجرد امتثال قانوني، بل أضحت رهانا مجتمعيا يؤطر العلاقة بين الفرد والدولة والاقتصاد وذلك خلال حفل الإعلان الرسمي لجمعية ممارسي القانون الرقمي والبيانات APDND.
وفي هذا السياق، ذكّر رئيس اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي أن حماية المعطيات لم تعد تختزل في بعدها القانوني الصرف، بل أضحت ثقافة وسلوكا يوميا، يهم مختلف الفاعلين داخل المجتمع، مشددا على أن التقدم في هذا المجال يقتضي تفاعلا بين السلطة والفاعلين المهنيين.
وأوضح أن الرهان لم يعد يكمن في سن القوانين، بل في تفعيلها داخل الممارسة اليومية، في ظل استمرار بعض الأفكار المغلوطة التي تختزل حماية المعطيات في منطق الانغلاق، في حين أن الرقمنة تقوم، في جوهرها، على تداول المعطيات وإنتاج القيمة منها، ضمن استمرارية قانونية تضمن حماية الحقوق.

العنصر البشري
وعلى مستوى التحولات التكنولوجية، أبرز السغروشني أن الذكاء الاصطناعي يسرّع وتيرة معالجة المعطيات بشكل غير مسبوق، ما يطرح تحديات مرتبطة باتخاذ قرارات مؤتمتة قد تؤثر على الأفراد، مؤكدا ضرورة الحفاظ على حق الطعن وضمان حضور العنصر البشري، تفاديا لأي اختلالات مرتبطة بعدم الدقة أو غياب شفافية الخوارزميات. كما سجل أن حماية المعطيات أصبحت اليوم تتقاطع مع أبعاد متعددة تشمل الخصوصية الفردية، واقتصاد البيانات، ومنطق السيادة، معتبرا أن “السيادة تمثل امتداداً لمفهوم الخصوصية على مستوى الدول”، في سياق دولي يتسم بتنافس متزايد حول التحكم في الموارد الرقمية.
“السيادة تمثل امتداداً لمفهوم الخصوصية على مستوى الدول“
وفي الإطار ذاته، استحضر المتدخل أطروحة الفيلسوف Paul Virilio، الذي ربط بين كل تطور تكنولوجي ومخاطره الملازمة له، مبرزا أن الرقمنة أفرزت بدورها ما يمكن تسميته بـ”الحادث الرقمي”، في إشارة إلى تسريبات المعطيات والهجمات السيبرانية، التي تستدعي تعزيز الجاهزية بدل الاكتفاء بردود الفعل.
وفي سياق المقارنة الدولية، أشار السغروشني إلى أن المغرب استلهم، في بناء منظومته القانونية، من التجربة الأوروبية، ولا سيما النظام الأوروبي العام لحماية البيانات (GDPR)، غير أن تنزيل بعض آلياتها، وعلى رأسها مبدأ “المحاسبة الذاتية Accountability”، يظل رهينا بمستوى الوعي القانوني لدى الفاعلين.
وأوضح أن القانون رقم 08-09، المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، يشكل الإطار المرجعي الوطني، غير أن فعاليته تظل مرتبطة بمدى استيعابه وتفعيله داخل الممارسة المهنية، في ظل استمرار الحاجة إلى التوعية والتأطير.
توحيد الجهود
وسجل، في هذا الصدد، أن المقاربة المغربية تقوم على التدرج في بناء ثقافة حماية المعطيات، من خلال مواكبة الفاعلين بدل الاقتصار على البعد الزجري، بما يضمن تحقيق توازن بين متطلبات الامتثال القانوني ودينامية الاقتصاد الرقمي. من جهتهم، أكد مؤسسو الجمعية أن هذا الإطار الجديد يهدف إلى توحيد جهود الفاعلين القانونيين، وتطوير الخبرات الوطنية في مجال القانون الرقمي، بما يساهم في مواكبة الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب في مجال التحول الرقمي.
وقد تميز اللقاء بعقد طاولة مستديرة تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي و دور القانون في بناء ابتكار مسؤول” تمت خلالها مناقشة حماية المعطيات في ظل المستجدات التكنولجية المتسارعة وتعدد الاستخدامات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. و شدد المتدخلون على أن مجال حماية المعطيات لا يمكن اختزاله في شقه القانوني المحض، بل هو ممارسة يومية ومسؤولية جماعية، تستدعي العمل المشترك على ترسيخ ثقافة قانونية قادرة على التوفيق بين متطلبات الابتكار وضمانات الحماية، في أفق بناء بيئة رقمية آمنة وموثوقة.
وتجدر الإشارة إلى أن جمعية APDND الحديثة النشأة تضم الخبراء والممارسين في القانون الرقمي، و تهدف إلى الإسهام في الارتقاء بالنقاش القانوني المرتبط بالرقمنة، من خلال تعزيز البحث المتخصص وتقديم مقترحات عملية تستجيب لتعقيدات البيئة الرقمية وتطوراتها المتلاحقة ومواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، مع الأخذ بعين الاعتبار تحديات الحكامة والسيادة الرقمية.